إنجازبقلم : عماد عواودة ، أبو حازم ..
ليس كلُّ من عاش في مدينةٍ صار منها ، وليس كلُّ من أقام بين الناس ترك فيهم أثراً يبقى بعد انقضاء الأيام ، فهناك أناسٌ يمنحون المكان شيئاً من أرواحهم ، حتى إذا ذُكر المكان ذُكروا معه ، وكأنهم صفحةٌ من تاريخه ، أو نبضةٌ من قلبه ، ومن هؤلاء السيدة فايزة الزعبي ، أم رائد ، التي آثرت أن يكون عطاؤها سيرتها ، وأن يكون عملها ترجمةً صادقةً لما آمنت به من أن الإنسان لا يُقاس بما يملك ، وإنما بما يمنح .
جاءت أم رائد إلى إربد تحمل في ذاكرتها عبق فلسطين ؛ رائحة البرتقال ، ودفءَ البيوت العتيقة ، وحنين المدن التي لا تغيب عن القلب ، ولم تجعل من الغربة انكساراً ، بل جعلتها بدايةً لحياةٍ امتلأت بالعمل والمحبة ، حتى غدت إربد لها وطناً آخر ، وغدت هي واحدةً من الوجوه التي ارتبط اسمها بكل بابٍ يُفتح للخير .
منذ صباها بدت ميولها إلى البذل واضحةً ؛ فقد أُنيط بها وهي طالبة مسؤولية صندوق الطالب المحتاج ، فكأن القدر كان يهيئها منذ تلك السنوات الأولى لطريقٍ طويلٍ من العطاء ، لم تنحرف عنه ، ولم تمله ، ولم تتبدل وجهته مع تبدل الأيام .
دخلت الزعبي ميدان التعليم ، فلم تكن ترى في المدرسة جدراناً وصفوفاً فحسب ، وإنما كانت ترى فيها مصنعاً للإنسان ، فكانت المعلمة التي تُربي قبل أن تُعلِّم ، وتغرس في النفوس القيم قبل المعارف ، وتؤمن بأن الكلمة الطيبة قد تصنع مستقبلاً أكثر مما تصنعه الكتب .
ثم اتسعت دائرة رسالتها ، فانتقلت بين المؤسسات الخيرية والاجتماعية والثقافية ، تحمل المسؤولية حيثما وُضعت ، وتؤدي الواجب في صمتٍ لا يعرف الضجيج ؛ رأيناها مع الأيتام ، ومع المرضى ، ومع المرأة ، وفي المجالس البلدية ، والهيئات الثقافية ، واللجان الإنسانية ، والجمعيات الخيرية ، حتى بدا العمل العام جزءاً من حياتها ، لا وظيفةً تؤدى ، ولا منصباً يُطلب .
ولم تكن الأوسمة التي نالتها سوى اعترافٍ بما عرفه الناس فيها منذ زمن ؛ فقد سبقها عملها إلى قلوبهم ، وكانت سيرتها أبلغ من كل شهادة ، وأبقى من كل لقب .
واليوم ، وقد تجاوزت الخامسة والثمانين من عمرها ، ما تزال حاضرةً في المحافل الثقافية والاجتماعية ، تحمل الكلمة المؤمنة بقيمتها ، وتشدُّ على أيدي الساعين إلى إصلاح الإنسان والمجتمع ، وكأنها تؤكد ، بالفعل قبل القول ، أن العطاء لا يعرف للسنِّ حدوداً ، وأن الرسالة الصادقة لا تبلغ خريفها ما دام القلب عامراً بالإيمان وبالناس ، وما دام الوطن يستحق أن يُبذل له المزيد .
هكذا تمضي بعض الشخصيات في الحياة كما تمضي النجوم في السماء ؛ لا تُحدث ضجيجاً ، ولكنها تهدي السائرين نوراً ، وتبقى آثارها في الناس شاهدةً على أن الخير إذا سكن قلب إنسان ، صار عمره كله رسالة ، وصارت سيرته نوراً لا ينطفئ .
( عماد عواودة ، ابو حازم ..
الأحد ١٢ تموز ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
