أكد أمين عام وزارة الاتصال الحكومي الدكتور زيد النوايسة أن موضوع الدراية الإعلامية والمعلوماتية في الأردن يعد مشروعاً وطنياً يتجاوز حدود القطاع الإعلامي، باعتبارها ثقافة مجتمعية تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة، والمؤسسات الإعلامية، والقطاعين العام والخاص.
وقال خلال مشاركته في حلقة نقاشية بعنوان “دور دبلوماسية الإعلام والدراية الإعلامية والمعلوماتية في بناء الثقة”، إن الدراية الإعلامية تعزز التفكير النقدي، وترسخ ثقافة التحقق، وتدعم الحوار المسؤول، وتساعد الأفراد على اتخاذ قراراتهم استناداً إلى المعرفة.
وأضاف خلال الحلقة التي جاءت ضمن فعاليات منتدى شوشا العالمي الرابع للإعلام في أذربيجان تحت عنوان “رسالة الإعلام في تعزيز السلام: استعادة الحقيقة وإعادة بناء الثقة” إن الدراية الإعلامية أصبحت جزءاً من رؤية وطنية أشمل ترتبط بالمناعة المجتمعية، والاستقرار، وتعزيز الثقة، وترسيخ المشاركة الواعية في الحياة العامة.
وقال إن الثقة هي الأساس الذي تقوم عليه علاقة الدولة بمواطنيها، وعلاقتها بمحيطها الإقليمي والدولي، لكن أدوات بناء هذه الثقة تغيرت مع تطور المجتمعات؛ فأصبح هناك واقع مختلف، لم يعد معه التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على تمييز الغث من السمين، وفهم السياق الذي انتجت فيه، والتحقق من صحتها، ولا سيما في ظل الفضاء الرقمي المفتوح الذي تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، بصورة جعلت الحقيقة تواجه منافسة غير مسبوقة من المعلومات المضللة، والصور المفبركة، والمقاطع المجتزأة، والمحتوى الذي تنتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتنتشر جميعها عبر المنصات ذاتها وبالسرعة نفسها.
وتساءل هل المشكلة تكمن في نقص المعلومات، أم في القدرة على التعامل معها؟ مستدركا أن التجارب أثبتت أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة مجتمعاً أكثر وعياً، ولا يقود التطور التقني تلقائياً إلى تعزيز الثقة، لاسيما وأن الثقة تتشكل عندما يمتلك الإنسان القدرة على الفهم، والتمييز، والتحقق، واتخاذ موقف يستند إلى المعرفة لا إلى الانفعال.
ولخص الدكتور النوايسة دبلوماسية الإعلام بأنها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في العصر الحديث، والتي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما أصبحت مساحة لبناء الصورة الذهنية للدول وشرح مواقفها، وتعزيز حضورها، وفتح قنوات للحوار مع الشعوب قبل الحكومات، وكلما اتسم الخطاب الإعلامي بالمهنية، والاتزان، والشفافية، ازدادت قدرة الدولة على بناء الثقة وترسيخ المصداقية، سواء داخل حدودها أو في محيطها الدولي.
وأردف قائلا إن دبلوماسية الإعلام لا تحقق أهدافها ما لم تجد مجتمعاً يمتلك القدرة على قراءة الرسائل الإعلامية وتحليلها والتفاعل معها بوعي ومسؤولية؛ فتتكامل مع الدراية الإعلامية والمعلوماتية التي أصبحت تمثل أحد أهم مرتكزات بناء الإنسان في العصر الرقمي.
وأوضح الدكتور النوايسة أن بناء الثقة لا يفرض بقرار، ولا يتحقق بحملة إعلامية، ولا ينتج عن مجرد توفير المعلومات، بل هو علاقة متبادلة تقوم على المصداقية والاحترام والقدرة على الوصول إلى المعرفة.
وتابع، “عندما يمتلك المواطن مهارات تقييم المحتوى، ومعرفة مصادره، وفهم السياق الذي أنتجت فيه المعلومة، يصبح أكثر قدرة على الحوار، وأكثر استعداداً للاستماع إلى الآراء المختلفة، وأكثر وعياً بمسؤوليته عند إنتاج المحتوى أو مشاركته”، مشيرا إلى أن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع، الأمر الذي تتراجع معه مساحة الشائعات، وتضعف قدرة المعلومات المضللة على التأثير، وترتفع قيمة المصادر المهنية، وتتشكل بيئة تنمو فيها الثقة بصورة طبيعية ومستدامة.
وبين أن دبلوماسية الإعلام تبني الجسور بين الدول والشعوب، الا ان الدراية الإعلامية تبني الجسور بين الإنسان والمعلومة؛ فتعزز الأولى حضور الدولة وصورتها في الخارج، بينما تعزز الثانية مناعة المجتمع في الداخل، وكلتاهما تنتهيان إلى هدف واحد يتمثل في بناء الثقة.
وأشار إلى أن التجربة الأردنية في هذا المجال تطورت بصورة تدريجية، واستندت إلى الشراكة بين مؤسسات الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والشركاء المحليين والدوليين، فيما أسهمت الاستراتيجية الوطنية الأولى للدراية الإعلامية والمعلوماتية بترسيخ هذا المفهوم، وتوسيع برامج التدريب والتوعية، وإدماج التفكير النقدي والتحقق من المعلومات في العديد من المبادرات والبرامج.
ولفت إلى أن الاستراتيجية الوطنية الثانية للدراية الإعلامية والمعلوماتية تمثل مرحلة أكثر نضجاً وشمولاً، استنادا إلى مخرجات التجربة الأولى، والبناء عليها برؤية وطنية واضحة تنسجم مع أفضل الممارسات الدولية ومعايير اليونسكو، ما يعزز مكانة الأردن إقليمياً، ويفتح المجال للانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً في بناء مجتمع واعٍ وقادر على التعامل مع الإعلام والمعلومات بكفاءة ومسؤولية.
وشدد على أن أهم ما يميز هذه التجربة هو ترسيخ القناعة بأن الدراية الإعلامية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة تجعلها حاضرة في السياسات التعليمية، وبرامج الشباب، ومشروعات التحول الرقمي، ومبادرات حماية الأطفال على الإنترنت، والجهود الوطنية لمواجهة خطاب الكراهية والتطرف الرقمي، الأمر الذي يعكس إدراكاً متزايداً بأن بناء الوعي أصبح جزءاً أصيلاً من بناء الدولة الحديثة.
وأشار إلى أن التسارع الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي حاليا، أوجد تحولاً جديداً في البيئة الإعلامية؛ فأصبح بالإمكان إنتاج صور، ومقاطع فيديو، وتسجيلات صوتية يصعب أحياناً التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، في الوقت الذي توفر فيه هذه التقنيات فرصاً واسعة للإبداع، والتعليم، والإنتاج المعرفي.
وبين أن السؤال لم يعد يدور حول مدى تطور الذكاء الاصطناعي، وإنما حول مدى جاهزية الإنسان للتعامل معه بوعي ومسؤولية، ما يفرض على المواطن أن يمتلك أدوات التفكير النقدي، والقدرة على التحقق، وفهم السياقات، والإدراك بأن مسؤولية إنتاج المعلومات لا تقل أهمية عن مسؤولية استهلاكها.
واوضح أن هذه التحولات تفرض على دبلوماسية الإعلام أن تطور أدواتها باستمرار، وأن تعتمد على السرعة، والشفافية، والمصداقية، حتى تبقى الرواية الوطنية قادرة على الوصول إلى جمهورها في بيئة إعلامية شديدة التغير.
وأشار الى ان تراجع الثقة لا يرتبط بسبب واحد، وإنما هو نتيجة لتداخل عوامل متعددة؛ من بينها التطور التقني الذي سبق في كثير من الأحيان تطور الوعي المجتمعي، كما تجاوزت سرعة تداول المحتوى سرعة التحقق منه، وأصبحت الخوارزميات الرقمية تعزز ما ينسجم مع قناعات المستخدم أكثر مما تعرض عليه وجهات نظر متنوعة، الأمر الذي وسع دوائر الاستقطاب، وأضعف المساحات المشتركة للحوار، وجعل الرواية الأكثر انتشاراً تتقدم أحياناً على الرواية الأكثر دقة.
ولفت إلى أن مستقبل الثقة لن تحدده التقنيات بقدر ما سيحدده مستوى الوعي الذي ننجح في بنائه؛ فكلما تطورت أدوات إنتاج المحتوى، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر قدرة على القراءة النقدية، وأكثر وعياً بالسياقات، وأكثر التزاماً بالمسؤولية عند إنتاج المعلومات أو تداولها.
وأكد النوايسة أن الاستثمار في الدراية الإعلامية والمعلوماتية، استثمار في الأمن المجتمعي، والاستقرار، والتنمية، والدبلوماسية العامة، وعندما تتكامل دبلوماسية الإعلام مع الدراية الإعلامية والمعلوماتية، تتعزز الثقة، ويترسخ الحوار، وتصبح الحقيقة أكثر حضوراً، وتغدو المجتمعات أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة ووعي.
وشارك في فعاليات المنتدى الذي استمر يومين، وفد أردني برئاسة أمين عام وزارة الاتصال الحكومي الدكتور زيد النوايسة ومساعد مدير عام وكالة الانباء الأردنية (بترا) للشؤون الصحفية الدكتور فايز الجبور ورئيس تحرير صحيفة الرأي الدكتور خالد الشقران ومساعد رئيس تحرير صحيفة الدستور محمد سلامة، ورئيس تحرير جوردان ديلي نضال الزبيدي، ومديرة السياسات الإعلامية والإعلام الخارجي الدكتورة مجد العمد.












