انجاز-سامر القضاة يكتب ..
بصفتي مطلعاً على تفاصيل العمل التنموي في الميدان، ومن واقع تجربتي السابقة في مجلس محافظة عجلون، أرى أننا أمام منعطف تشريعي خطير يمس جوهر اللامركزية .
المادة (37) من مسودة القانون الجديد تشكل تراجعاً لا يخدم مسيرة التحديث السياسي التي نشهدها. إليكم قراءة وتحليل لأبعاد هذه المادة وأثرها على الإرادة الشعبية .
بينما يخطو الأردن بثقة نحو مئويته الثانية ، مستنداً إلى رؤية ملكية سامية وعازمة على تحديث المنظومة السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار ، تخرج علينا بعض النصوص التشريعية في مسودة قانون الإدارة المحلية الجديد لتشكل تراجعاً غير مبرر عن هذه المبادئ الوطنية الثابتة. وتأتي المادة (37) من المسودة كأبرز هذه العثرات، لتثير قلقاً عميقاً وصدمة في الأوساط الشعبية والنخبوية على حد سواء.
إن هذه المادة في صيغتها الحالية التي تُلغي الانتخاب المباشر لأعضاء مجالس المحافظات (اللامركزية) وتستعيض عنه بتعيين أعضاء من خلفيات منتخبة كالنقابات والبلديات وغرف التجارة والصناعة ، لا تمثل مجرد تعديل إجرائي ، بل هي انقضاض صريح على جوهر الفلسفة الديمقراطية التي نادى بها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في أوراقه النقاشية وفي توجيهاته المستمرة لتحديث المنظومة السياسية .
التعيين المقنّع : تزييف للمشاركة وإقصاء للمواطن
إن محاولة شرعنة “التعيين” عبر تسمية أعضاء قادمين من مؤسسات منتخبة (كالنقابات أو الغرف التجارية) هي مغالطة تشريعية كبرى . فالمهندس أو التاجر الذي انتخبه زملاؤه لتمثيل مصالحهم القطاعية داخل نقابته أو غرفته ، لم يمنحه المواطن في قريته أو باديته تفويضاً شعبياً لإدارة التنمية المحلية في محافظته.
هذا الالتفاف على صناديق الاقتراع يحمل في طياته سلبيات وعيوباً هيكلية قاتله / أبرزها :
تشتيت الولاء والجهد : العضو المعين سيبقى رهين أوجاعه القطاعية والنقابية ولن يكون متفرغاً أو مسؤولاً أمام المواطن البسيط في المحافظة الذي يبحث عن بنية تحتية، ومستشفى، ومدرسة، وفرص عمل لأبنائه.
خلق مجالس نخبويّة مغلقة / بدلاً من أن تكون مجالس المحافظات مرآة تنموية تمثل كافة أطياف المجتمع المحلي، فإنها ستتحول إلى مجالس محاصصة نخبويّة تخدم فئات محددة ، وتُقصي الكفاءات الشابة والمستقلة التي لا تنضوي تحت لواء هذه النقابات أو الغرف .
– إجهاض اللامركزية وحالة عدم الرضا الشعبي –
إن إلغاء الانتخاب المباشر هو إجهاض حقيقي لمبدأ المشاركة الشعبية وعودة بالبلاد عقوداً إلى الوراء نحو المركزية المقيتة . كيف للمواطن أن يشعر بامتلاك القرار التنموي وهو يرى حقه الدستوري والأصيل في اختيار ممثليه يُسلب منه بجرّة قلم تشريعية؟
هذا التوجه لم يثمر إلا حالة عارمة من عدم الرضا الشعبي والاحتقان / فالمجتمع الأردني الذي انتظر تطوير تجربة اللامركزية وتعميقها يجد نفسه اليوم أمام تراجع ينال من ثقته بجدية مسارات الإصلاح. إن إقصاء صندوق الاقتراع المباشر يبعث برسالة سلبية مفادها أن المواطن “غير مؤهل” لاختيار من يدير شؤونه التنموية ، وهو أمر يرفضه الأردنيون جملة وتفصيلاً .
نداء إلى مجلس النواب : التاريخ يراقب والمستقبل أمانة
أمام هذا المنعطف التشريعي الخطير ، يتطلع الأردنيون إلى مجلس النواب الأردني ، باعتباره حامي الدستور وصوت الشعب النابض، للوقوف في وجه هذه الردة الديمقراطية .
إننا نحث نواب الأمة ، بكل قواهم الوطنية ، على رفض المادة (37) بصيغتها الحالية ، وعدم تمرير هذا القانون إلا بعد تعديل هذه المادة جذرياً ليعود الانتخاب المباشر حراً ونقياً لجميع أعضاء مجالس المحافظات .
إن التعديل المطلوب ليس ترفاً بل هو استحقاق وطني وشرط أساسي لـ :
١. الانسجام مع الرؤية الملكية: التي ركزت على “التمكين” والتحديث السياسي وبناء دولة المؤسسات القائمة على المواطنة الفاعلة .
٢. استعادة ثقة الشارع: عبر تفعيل الصناديق التي تجعل المسؤول المحلي تحت طائلة المحاسبة الشعبية المباشرة.
ختاماً
إن قوة الدولة الأردنية استمدت دائماً من تلاحم قيادتها وشعبها في مسيرة الإصلاح. ومجلس النواب اليوم أمام اختبار تاريخي : فإما أن ينحاز لرؤية جلالة الملك وتطلعات الشعب في برلمان ومجالس محلية قوية ومنتخبة، وإما أن يساهم في إضعاف تجربة اللامركزية وتعميق الفجوة بين المواطن ومؤسساته .
اجعلوا صندوق الاقتراع المباشر هو الحكم والفيصل ، فالأوطان لا تُبنى بالتعيين والمحاصصة، بل بإرادة الشعوب الحرة.
سامر عبدالله القضاة
(عضو مجلس محافظة عجلون السابق)
#قانون_الإدارة_Local #اللامركزية #مجلس_النواب #الأردن #تحديث_المنظومة_السياسية #عجلون












