
عماد عبدالرحمن
الهدف الاول للحكومة الإسرائيلية من التوصل لإتفاق مع الحكومة اللبنانية، بعد صراع طويل ومضنٍ يتمثل في وقف الإستنزاف العسكري على طول الجبهة الشمالية، التي تكبد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية ومادية عالية التكلفة، خصوصاً وأن الحروب المتتالية على جبهة لبنان، لم تحقق الأمن والهدوء المنشود، لا على العكس فقد كانت الحرب الأخيرة بمثابة إنذار مبكر لما قد تؤول اليه الأمور إذا لم يتم إحتواء التصعيد وإيجاد حل أو هدنة دائمة مع لبنان لمنع أي تدهور في الوضع الأمني على الحدود الشمالية.
حالة القلق السياسي والإعلامي التي تسود نتيجة الإتفاق الاخير مع لبنان، لا تقتصر فقط على تفاصيل الإتفاق وبنوده، بل هي بالأساس تتعلق بتقييم أداء الحكومة الإسرائيلية الحالية، ومستقبل أي مواجهة قد تندلع مع حزب الله اللبناني، المدعوم من إيران، إضافة الى التغيّر في العلاقات مع واشنطن، التي أضحت تهتم بالمصالح الإقتصادية وتأمين مصادر آمنة للطاقة وتجنب التصعيد الإقليمي، على أي اعتبارات أخرى، وهو ما يثير قلق الأوساط السياسية في اسرائيل.
الإتفاق مع لبنان لا يضع حداً لتخوفات اسرائيل المستقبلية على أمنها، فلا إحتلال الأراضي بالقوة، ولا إستمرار الإحتلال العسكري لأراضٍ في فلسطين ولبنان وسوريا، يفتح ذلك المجال أمام إسرائيل للإنخراط في عملية سياسية شاملة، تنهي الحالة المزرية التي وصلت إليها المنطقة، نتيجة السياسات الإسرائيلية القائمة على مبدأ “غطرسة القوة”، وقد أظهرت تجربة ما بعد 7 أكتوبر أن إحتلال الأراضي لا يضمن الأمن، ولا يتيح التعايش مع المحيط العربي، الذي طالما مد يده من أجل إنخراط إسرائيل في المجتمع المحيط.
ورغم اختلاف التوجهات الفكرية والسياسية في إسرائيل، فقد وصفت أوساط إعلامية الاتفاق مع لبنان بأنه “أهون الشرين”، رغم أنه لا يوفر ضمانات حقيقية لاستقرار طويل الأمد، في ظل استمرار قوة حزب الله وعدم وجود مؤشرات على تراجعه، وإستمرار الدعم الخارجي، بالتالي تأجيل وترحيل الأزمات بدلاً عن حلها من جذورها، بعد تعمد عدم إنتهاج مسار تفاوضي سلمي شامل، ينهي أساست الصراع والحروب في المنطقة.
وفي حيثيات الإتفاق يبدأ الاختبار الحقيقي بعد التوقيع، فنجاح الاتفاق يعتمد على قدرة الدولة اللبنانية وجيشها على فرض السيادة في الجنوب ونزع السلاح خارج نطاق سيطرة الدولة، خصوصاً وان حزب الله لم يكن طرفاً في الإتفاق، واعلن رفضه له، وهو هدف قد يواجه تحديات كبيرة في ظل النفوذ العسكري والسياسي للحزب والدعم الإيراني المستمر له، خصوصاً مع وجود اتفاقات سابقة، ولا سيما اتفاق عام 1983 وقرار مجلس الأمن 1701، والمخاوف من أن يتحول الاتفاق الجديد إلى وثيقة سياسية يصعب ترجمتها إلى واقع ميداني، مع غياب جدول زمني واضح وآليات تنفيذ ملزمة للإتفاق.
يتزامن كل ذلك، مع إنتقادات لاذعة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ليس فقط بسبب إدارة الملف اللبناني، وإنما أيضاً بسبب تحركاته السياسية الداخلية. فالتفاهمات مع الأحزاب الحريدية بعد إقرار قانون اعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية في الجيش، وتعكس تغليب الاعتبارات السياسية على القضايا الأمنية، إذ كشفت تصريحات نتنياهو الأخيرة حالة من التخبط والانفصال عن الواقع، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات داخلية وخارجية معقدة.
بالمحصلة، يميل المزاج العام في إسرائيل إلى التشكيك أكثر من الاحتفاء، إذ لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره انتصارا حاسما، بل باعتباره خيارا اضطراريا فرضته موازين القوى والضغوط الدولية. وفي الوقت نفسه، تؤكد القراءات أن إسرائيل تقف أمام مرحلة تتداخل فيها التحديات العسكرية مع الحسابات السياسية والدبلوماسية، في ظل استمرار الغموض بشأن مستقبل الجبهة الشمالية، وتنامي الجدل الداخلي حول إدارة الحرب وحدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية.
