الدكتوره زهور غرايبة
حين تتحول الجريمة إلى خبر ويغيب التعلّم
الباحثة د. زهور غرايبة تكتب
انجاز-في كل مرة تقع فيها جريمة قتل أسرية، تتجه الأنظار إلى التفاصيل المباشرة للحادثة: من هو الجاني؟ من هي الضحية؟ أين وقعت الجريمة؟ وما الملابسات المحيطة بها؟ وسرعان ما يتحول النقاش العام إلى متابعة الأخبار وتبادل الروايات والتعليقات، قبل أن تتوارى القضية تدريجيًا بانتظار الجريمة التالية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس ماذا حدث؟ بل ماذا تعلمنا؟
فالتغيير الاجتماعي لا يتحقق من خلال تكرار الإدانة بعد كل جريمة، يحدث من خلال قدرة المجتمع على التعلم من الأحداث المتكررة، ومراجعة الافتراضات والممارسات والظروف التي تسمح باستمرارها. فالمشكلة لا تكمن فقط في وقوع الجريمة، وإنما في عجزنا عن تحويلها إلى معرفة اجتماعية تساعدنا على منع تكرارها.
ولا يعني الحديث عن الأسباب تبرير الجريمة أو تخفيف المسؤولية عن مرتكبها، فالقتل جريمة مدانة أخلاقيًا وقانونيًا مهما كانت الظروف. لكن المجتمعات التي تتعلم لا تكتفي بإدانة النتائج، تذهب إلى مساءلة الجذور، وتسأل عن الضغوط الاقتصادية، وأنماط التنشئة، والصحة النفسية، والعلاقات الأسرية، وخطابات العنف السائدة، وأدوار المؤسسات المختلفة في الوقاية والحماية.
إن أحد أبرز أخطاء التعامل مع جرائم القتل الأسرية هو النظر إليها بوصفها حوادث منفصلة لا رابط بينها، بينما يدعونا التفكير المنظومي إلى النظر إليها كجزء من سياق اجتماعي أوسع، تتداخل فيه عوامل متعددة قد لا تكون ظاهرة للعيان. فكل جريمة ليست حادثة فردية، هي مؤشر يستحق القراءة والتحليل والتأمل.
وعندما نشهد مجموعة جرائم قتل أسرية خلال أسبوع واحد، فإن القضية لا تتعلق فقط بتوصيفها أكاديميًا: هل هي ظاهرة أم ليست ظاهرة؟ تتعلق بسؤال أكثر إلحاحًا: لماذا لم نتعلم بعد؟
لماذا ما زلنا ننتظر مزيدًا من الضحايا قبل أن نراجع السياسات والبرامج وآليات الحماية والتوعية؟ ولماذا يتحول الجدل إلى خلاف حول المصطلحات بدل أن يكون نقاشًا حول سبل الوقاية ومنع تكرار المأساة؟
إن التغيير الاجتماعي يبدأ عندما نتوقف عن التعامل مع الجرائم باعتبارها أخبارًا عابرة، ونبدأ بالنظر إليها باعتبارها رسائل تحذير تستوجب الفهم والتدخل. فالتعلم الحقيقي لا يقاس بعدد التقارير التي نكتبها أو التصريحات التي نصدرها، يقاس بقدرتنا على تقليل احتمالية وقوع الجريمة التالية.
لذلك فإن السؤال الأهم اليوم ليس: هل أصبحت جرائم القتل الأسرية ظاهرة؟ بل: هل أصبحنا قادرين كمجتمع على التعلم منها قبل أن نفقد المزيد من الأرواح؟
