الاستاذ الدكتور نضال الشريفين
ليست الأوطانُ بما تكنُزُه خزائنُها من ذهبٍ، ولا بما تشهقُ به قصورُها من شموخٍ، ولا بما يُقلَّدُ به الرجالُ من أوسمةٍ تبرقُ في الصدور، إنما الأوطانُ تلك الغريزةُ الخفيَّةُ التي تسكُنُ الجوفَ، حين يوقنُ الفتى أن سماءَ وطنِه تمطرُ بالعدلِ لا بالوعود، وأن أبوابَه لا تُفتحُ إلا بمفاتيحِ الكفاءة، لا بتزكيةِ الأسماء، ولا بظلِّ النفوذِ الذي يمدُّ خيوطَه حيث لا تبلغُ الأيادي.
وليس الجوعُ، وإن تعمَّقَ في العظام، أقسى ما يُدمي الأردني، ولا البطالةُ، وإن أقعَدَتِ الهممَ، هي الطعنةُ النافذةُ في سويداء القلب، فالجوعُ، مهما اشتدَّ، تُطاقُ حرقتُه، والعُسرُ، مهما تضاعف، تتسعُ له النفوسُ حين تُؤمن بغدٍ، لكنَّ الأدهى والأمرَّ أن يمضي الشابُّ عمرَه في دروبِ التعليمِ والكدحِ، ثم يرى حلمَه بوظيفةٍ تُسدُّ رمقَه قد صار أبعدَ من خيالٍ لم يخطرْ له ببال. هناك، حيث يلتقي الكفاحُ بالخذلان، يولدُ الوجعُ الذي لا تداويه الخطابُ ولا تُسكِنه المواساةُ.
يا للهول! إن أبناءَ هذا الثرى لا يرومون القصورَ المشيَّدةَ، ولا السياراتِ الفارهةَ، ولا المقاعدَ المكسوَّةَ بالمخمل، ولا المناصبَ التي تُتخذُ مدارجَ للعُلا، وما ينازعون أحدًا في جاهٍ، ولا يحسدون ذا وجاهةٍ على منزلته، كلُّ ما يبتغونه: عملٌ يُكسوهم وقارَ الاستغناءِ، ورزقٌ يلملمُ شتاتَ العيشِ، وسقفٌ يُظللُّ أحلامَ صغارهم، وكرامةٌ تمنعُ أكفَّهم من الامتدادِ إلى غيرِهم، وتُبقي أقدامَهم على ترابِ الوطنِ لا في رمالِ الغربةِ.
وفي خضمِّ هذه الرمضاء، تمرُّ مواكبُ الأفراحِ والمناسباتِ، تتقدمُها الوجوهُ المعروفةُ وأصحابُ النفوذِ، فتتولَّدُ في الصدورِ أسئلةٌ كالسُّمرِ المسمومة، ليس لأن الناسَ يضيقون بالتواصلِ أو ينفرون من العلاقات، فذاك حقٌّ طبيعيٌّ كتنفُّسِ الهواء، لكن المواطنَ البسيطَ، الذي يعجنُ الخبزَ بعرقِ جبينِه، يخشى أن تتحولَ تلك الصورُ، من حيث لا يدري أصحابها، إلى وثيقةٍ ناطقةٍ تقول: إنَّ هناك مَن يبدأُ الماراثونَ من عندِ خطِّ النهاية، بينما يقضي آخرون أعمارَهم يبحثونَ عن نقطةِ البداية في دهاليزِ المجهول، ولعلَّ أجملَ ما ورثَهُ الأردنيون، وأقدسَ ما توشَّحوا به، هو التواضعُ الهاشميُّ العفويُّ؛ ذلك النهجُ الذي جعلَ البساطةَ تاجًا، والوقارَ لغةً، والهيبةَ منبثقةً من جوهرِ الأخلاقِ لا من زينةِ المظاهر. لقد رأى الناسُ في محافلِ الأسرةِ الهاشميَّةِ أنَّ المكانةَ الحقيقيَّةَ لا تحتاجُ إلى استعراضِ الجموعِ، وأنَّ القامةَ السامقةَ لا يزيدُها طولاً كثرةُ الواقفين حولَها، بل تزدادُ رسوخًا كلما انحنتْ لتلامسِ ترابَ الطريقِ وتستمعَ إلى همسِ الفقراء.
ثم أليسَ الإسلامُ نفسه، في محكمِ تنزيلِه، لم يجعلْ شرفَ الزواجِ في كثرةِ الوفودِ، ولا في علوِّ المناصبِ، بل جعلَ البركةَ في التيسيرِ، وجعلَ ميزانَ التفاضلِ هو الدينَ والخلقَ، لا وفرةَ الوجوهِ ولا أبهةَ المشاهدِ؟ فأيُّ قيمةٍ لمجلسٍ يضجُّ بالأسماءِ اللامعةِ، إذا خرجَ منه شابٌ آخرُ يظنُّ أن المستقبلَ لا يُنالُ إلا بقربٍ من أصحابِ الجاهِ، فيلفظَ أنفاسَه خائبًا قبلَ أن يبدأ؟
إنَّ أخطرَ ما يتهدَّدُ كيانَ أيِّ دولةٍ ليس الفقرَ المدقعَ، ولا قحطَ المواردِ، بل ذلك السمُّ الزعافُ الذي يتسللُ إلى قلوبِ أبنائها، فيُوهمُهم أنَّ العدالةَ صارتْ أمنيةً كالأمنيات، وأنَّ الفرصَ لم تعدْ تقفُ على أبوابِ الجميعِ بالسَّويَّةِ، فالدولةُ القويةُ ليستْ من تملكُ أكبرَ الموازناتِ، بل من تجعلُ ابنَ العاملِ، وابنَ المعلِّمِ، وابنَ الفلاحِ، وابنَ الجنديِّ، يقفونَ في صفٍّ واحدٍ مع غيرِهم، لا يسبقُهم إلا نبوغُهم، ولا يرفعُهم إلا اجتهادُهم، ولا يُقصيهم إلا تقاعسُهم.
والله، ما نكتبُ هذا حقدًا على أحدٍ، ولا منافسةً لأحدٍ في مركزٍ، ولا طمعًا في الانضمامِ إلى ركبِ النافذين، كلاَّ وحاشا، إنما نكتبُ لأنَّ الوطنَ أوغلُ في قلوبِنا من أن نتركَه فريسةَ اليأسِ، ولأنَّ مستقبلَ الأردنِ لا يُبنى بالأسمنتِ والحديدِ وحدَهما، بل بثقةِ أبنائِه التي هي أصلبُ من الحديد. فإذا فقدَ الشابُّ يقينَه بأنَّ جهدَه هو صراطُه الوحيدُ، فقدَ الوطنُ منه أكثرَ مما فقدَ الشابُ من حلمٍ.
سيبقى الأردنُ، بقيادتِه الهاشميَّةِ الوضيئةِ، وطنًا نستظلُّ بسمائِه، ونعتزُّ بانتمائِنا إليه، وتبقى الرسالةُ التي نرجوها، كالدعاءِ في جوفِ الليل، واحدةً: أن يرى كلُّ أردنيٍّ، في كلِّ مؤسسةٍ، وفي كلِّ وظيفةٍ، وفي كلِّ فرصةٍ، أنَّ ميزانَ العدلِ لا يميلُ إلا للكفاءةِ، وأنَّ الوطنَ لا يسألُ أبناءَه: “من أنتم؟” بل يسألُهم بلهفةِ المنتظرِ: “ماذا تستطيعونَ أن تقدِّموا لأمِّكم التي تتوجَّع؟”
فالأوطانُ لا تنكسرُ حين يقلُّ المالُ، وتضيقُ الأرضُ بما رحُبتْ. الأوطانُ تُكسَرُ حين ينكسرُ اليقينُ في الصدورِ، حين تظنُّ القلوبُ أنَّ العدلَ غائبٌ، وأنَّ الحلمَ حكرٌ على فئةٍ دونَ فئةٍ. وحينها فقط، يصيرُ الوطنُ في قلوبِ أبنائِه أضيقَ من ثقبِ الإبرةِ، رغم اتساعِ أرجائِه.
أعتذر جدًا عن الإطالة.
