وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

فن استخدام الكلمة

التحرير
٢٠ آب ٢٠٢٦ 3 دقائق قراءة
فن استخدام الكلمة

د. عبدالله الطوالبة
يعود الفضل في نحت تعبير “حراسة البوابة” إلى عالم النفس الاجتماعي الأميركي من أصل ألماني، كورت لوين، عام 1947. أما فكرة تطويعها للتطبيق في ميدان الصحافة والاعلام، فقد قَدَحَت في رأس مواطنه، الباحث ديفيد وايت، محمولة على سؤال: ما الأسس المُتبعة في اختيار أخبار بعينها للنشر في الصحف واستبعاد غيرها. وقد اختار وايت موضوع الدراسة، صحيفة تصدر في مدينة أميركية صغيرة. وفي عام 1950، جَمَعَ مئات الأخبار الواردة إلى الصحيفة، وقارن بين ما نُشِر منها وما استُبعد، ثم سأل رئيس التحرير عن أسباب اختياره ومعايير النشر والحجب.
وقد أكدت النتائج أن المعايير المهنية، وشرط الموضوعية، ليسا العامل الحاسم في عملية النشر، بل تتأثر هذه الأخيرة بخبرات رئيس التحرير وتقديراته الخاصة للأخبار وميوله واتجاهاته. ويُضاف إلى رئيس التحرير ما يمكن تسميته “سلسلة الانتاج الاخباري”، وتضم مدير التحرير في الصحيفة، ورؤساء أقسام الأخبار والمحررون وصولًا إلى فرد ربما يشغل موقعًا صغيرًا في هذه السلسلة. لكل من هؤلاء دوره في “غربلة” الأخبار والمواد الصحفية، وبالتالي تحديد محتوى الصحيفة. على هذه الأرضية ظهرت نظرية حراس البوابة، لتنضم إلى أهم نظريات الاعلام. وتتمحور بشكل رئيس حول اختيار الأخبار للنشر، وتحويلها من مواد خام إلى رسائل جاهزة للنشر.
أما الظروف والأسباب الفاعلة في قرارات سلسلة الانتاج الاخباري، فمتعددة طبعًا. ومن أهمها، ضغوط الحكومات وجماعات المصالح والمعلنين، ناهيك بقيود العادات والتقاليد والمعتقدات المجتمعية.
في السياق، نستحضر تعبير “الرقيب الذاتي” المتداول في الصحف الأردنية، ونظنه ما يزال شائعًا. وقد كان بعض الزملاء يتباهون باستخدامه، ومنهم من يرى فيه دليلًا على حرية الصحافة. وما درَوا أن ظنهم آثم كله لا بعضه؛ لأن أقسى أنواع القيود تلك القابعة في الرؤوس، لا التي تُكبّل الأيدي.
في عصر الاعلام الرقمي، بات دور حراس البوابة الاعلامية بمفهومه التقليدي من الماضي. فالصحف ذاتها باتت تندرج في إطار الإعلام القديم الآفل، الذي يلعب في ربع الساعة الأخير من عمره المُقَدَّر.
أخذت الخوارزميات ومحركات البحث دور “الحراس”، من خلال ما يُعرف بالتلقين الآلي. ويعني التحكم في نوع المعلومات المتاحة للصحفي، فضلاً عن توجيه الجمهور المُستَقبِل، وتحديد ما يُصدَّر الصفحة وما يُطرح في هامشها.
يُتيح الإعلام الرقمي إمكانات واسعة للمشاركة والتفاعل، غير أنه أفرز أشكالاً مستحدثةً لحراسة البوابة تتحكم في المحتوى؛ إذ لا تتردد منصات مثل فيسبوك ويوتيوب وإكس في حجب المعلومات أو إخفائها وتقليل نسب الوصول.
فقد تعرضت حسابات شخصية وصفحات يقدر عدد متابعيها بمئات الآلاف للحذف والتقييد والحظر. ووجدت صفحات يتابعها ملايين من الناس نفسها فجأة، محرومة من مساحاتها الرقمية. ويتبدى ذلك جليًّا في الأزمات والحروب، لا سيما حين تكون دول بعينها أطرافًا فيها.
انطلاقًا مما تقدم، يهمنا لفت نظر القارئ إلى أن الإعلام، مهما تعددت وسائلُه وتطورت، تظلُّ الكلمةُ جوهره. على هذا الأساس، يمكن تعريف الإعلام بأنه فن استخدام الكلمة.
وبما أن الكلمة ذات التأثير الأقوى والأفعل على العقول، فهناك دائمًا من يخشى كشافاتها الساطعة، لا سيما عشاق اللعب في العتمة. من هنا ندرك كيف يبدل حراس البوابة جلودهم وأساليبهم، مع كل تطور يطرأ على وسائل الإعلام.

مشاركة: