وفاة النائب السابق الشيخ ذيب أنيس
رحيلِ الشيخِ المجاهد ذيب أنيس عن عمرٍ ناهز ثمانيةً وثمانين عامًا،
وُلِد الشيخ ذيب أنيس سنة 1937 في قرية العباسية بقضاء يافا، في أواخر عهد الانتداب البريطاني على فلسطين، وعاش طفولتَه في بيئةٍ ريفيةٍ محافظة، مشبعة بروح التدين والانتماء للأرض. وقد شهد في سنواته الأولى تصاعد المشروع الصهيوني، ثم عايش مأساة النكبة عام 1948 وهو في العاشرة من عمره، حين هُجِّر مع عائلته من أرضه ووطنه، لتبدأ رحلة اللجوء والتنقّل بين قرى الضفة الغربية، قبل أن تستقر الأسرة سنواتٍ في مخيم عقبة جبر في أريحا.
ولعلّ تجربة اللجوء المبكرة كانت من أكثر العوامل تأثيرًا في تكوين شخصيته؛ إذ لم يتعامل مع النكبة بوصفها حادثةً سياسيةً عابرة، بل بوصفها جرحًا وجوديًّا في جسد الأمة العربية والإسلامية. ومن هنا تداخل في وعيه المبكر الحسُّ الإسلامي بالحسِّ الوطني والقومي، فلم يرَ تناقضًا بين الانتماء للدين والانحياز لقضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين.
ومنذ طفولته المبكرة ظهرت ملامح شخصيته الاجتماعية والدعوية؛ فقد بدأ العمل الخيري في خدمة مسجد بلدته قبل النكبة، وكان يُوكَل إليه بعض المهام وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ثم واصل هذا النهج بعد اللجوء، حتى غدا معروفًا بين الناس بلقب “الشيخ ذيب” قبل أوانه، لما اتصف به من وقار، وحرصٍ على خدمة الناس، وإصلاح ذات البين، والالتصاق بأحوال الفقراء والمحتاجين.
وفي عام 1954، وأثناء إقامته في مخيم عقبة جبر، بدأ ارتباطه المبكر بالحركة الإسلامية، متأثرًا بالتربية الدينية التي تلقّاها على يد والده، وبالبيئة الإسلامية التي كانت ترى في الإسلام مشروعَ إصلاحٍ شامل، لا مجرد إطار تعبدي ضيق. وقد انتمى بذلك إلى الرعيل الأول الذي أسهم في تأسيس الحركة الإسلامية الأردنية، وتشكيل حضورها الاجتماعي والدعوي والسياسي.
وفي عام 1956 انتقل مع عائلته إلى مدينة الزرقاء بحثًا عن العمل والاستقرار، وهناك بدأت مرحلةٌ جديدة في حياته. عمل بدايةً في قطاع السكك الحديدية التابع لشركة الفوسفات، ثم في شركة مناجم الفوسفات حتى عام 1963، قبل أن يستقيل ليتفرغ للإمامة والخطابة في وزارة الأوقاف. وقد عرفه أهل الزرقاء، ولا سيما في حي جناعة، خطيبًا مفوّهًا وإمامًا مؤثرًا في مسجد خالد بن الوليد، حيث امتاز بأسلوبه القريب من الناس، ولغته الصادقة، وقدرته على الجمع بين الوعظ الديني والهمّ الوطني والاجتماعي.
وفي الزرقاء اتسعت دوائر نشاطه الخيري والاجتماعي؛ فكان حاضرًا في خدمة العائلات المستورة، وكفالة الأيتام، وجمع التبرعات لهم، والمساهمة في بناء المشاريع الخيرية والتعليمية التابعة لجمعية المركز الإسلامي والمدارس وكلية المجتمع الإسلامي المتوسطة للبنات، إضافةً إلى دعمه بناء المساجد في الزرقاء وعمّان وعدة محافظات. كما كان من المساهمين في إنشاء صندوق المريض الفقير في المستشفى الإسلامي، وعُرف بمساعدة الطلبة الجامعيين، ومساندة المقبلين على الزواج، ومتابعة شؤون الأسر المحتاجة.
ولم يكن حضوره الاجتماعي قائمًا على العمل المؤسسي وحده، بل على علاقةٍ إنسانيةٍ عميقة مع الناس؛ فقد عُرف بمشاركته أفراح الناس وأتراحهم، وبأسلوبه الفريد في جبر الخواطر وتطييب النفوس، من غير نفاقٍ أو رياءٍ أو تملق. وكان ممّن عُرفوا بالطهارة والصدق والأمانة والعفة، حتى أصبح حضوره في الزرقاء جزءًا من ذاكرتها الاجتماعية والدعوية.
أمّا على المستوى الدعوي، فقد كان الشيخ ذيب أنيس واحدًا من رجال التربية الميدانيين في الحركة الإسلامية؛ إذ لم يقتصر دوره على الخطابة والإمامة، بل أسهم في إعداد الوعاظ وتدريبهم، ونشر الثقافة الدينية، وتنظيم مسابقات القرآن الكريم للشباب، والمشاركة في نشاطاتهم الرياضية والرحلات، إدراكًا منه أن بناء الأجيال يحتاج إلى تربيةٍ شاملة تلامس العقل والروح والحياة اليومية معًا.
غير أن الجانب الأبرز في سيرته السياسية والوطنية برز عقب هزيمة عام 1967، حين شعر جيلٌ كامل أن احتلال القدس والضفة الغربية لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل انهيارًا في صورة الأمة وكرامتها. وفي تلك المرحلة، كان الشيخ ذيب أنيس أحد القادة الأساسيين في “قواعد الشيوخ” في منطقة الأغوار الشمالية؛ وهي القواعد العسكرية التي شكّلها الإسلاميون بالتنسيق مع حركة “فتح” لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وقد تولّى مسؤولية الإشراف على هذه القواعد، وأسهم في إدارة العمليات الفدائية وتدريب المقاومين الوافدين من مختلف الدول الإسلامية، في تجربةٍ عكست طبيعة الجيل الإسلامي آنذاك؛ جيلٍ رأى أن الدعوة لا تنفصل عن المقاومة، وأن تحرير الأرض جزءٌ من الواجب الديني والوطني والقومي.
وتكشف تجربته في “قواعد الشيوخ” عن بُعدٍ مهم في تاريخ الحركة الإسلامية الأردنية؛ إذ لم تكن الحركة في بداياتها مجرد إطار تنظيمي سياسي، بل كانت مشروعًا مجتمعيًا مقاومًا، يجمع بين التربية والخدمة الاجتماعية والعمل الوطني. كما تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والفصائل الفلسطينية المسلحة آنذاك، حيث كانت فلسطين عنوانًا جامعًا يتجاوز الاصطفافات التنظيمية الضيقة.
ومع أحداث عام 1970، آثر الاحتكام إلى المعيار القرآني، فانسحب رافضاً الفتنة وسفك الدم الحرام، لينتقل من جهاد الميدان إلى جهاد التربية والبناء.
وفي عام 1989 دخل الشيخ ذيب أنيس مجلس النواب الأردني في دورته الحادية عشرة، ممثلًا لذلك الجيل الوطني الذي رأى في العمل السياسي امتدادًا للعمل الدعوي والاجتماعي، لا انفصالًا عنه. ومع ذلك بقيت صورته الأقرب إلى الناس صورة “شيخ الزرقاء”؛ الرجل القريب من البسطاء، الحاضر في المساجد والمجالس والبيوت، والذي لم تغيّره المواقع ولا الألقاب.
إن قراءة سيرة الشيخ ذيب أنيس تتجاوز حدود التأريخ لشخصيةٍ فردية؛ فهي في حقيقتها قراءةٌ لمرحلةٍ كاملة من تاريخ الأردن وفلسطين والحركة الإسلامية في المشرق العربي. فقد مثّل جيلًا خرج من رحم النكبة، وحمل همّ فلسطين، وانشغل ببناء المجتمع، وجمع بين الدعوة والمقاومة، وبين الهوية الإسلامية والانتماء الوطني والقومي، دون افتعال خصومةٍ بين هذه الدوائر.
لقد كان من الرجال الذين عاشوا للفكرة لا للمصلحة، وللناس لا للوجاهة، وبقي حتى آخر عمره وفيًّا لخطه الدعوي والإنساني، قريبًا من المجتمع، حاضرًا في همومه اليومية. وبرحيله اليوم، تفقد الزرقاء خاصة، والأردن وفلسطين عامة، واحدًا من وجوه جيل المؤسسين الذين تركوا أثرًا عميقًا في العمل الإسلامي والوطني والاجتماعي.
رحم الله الشيخ ذيب أنيس رحمةً واسعة، وجزاه عن دعوته وجهاده وعمله الخيري خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألحقه بالصالحين والأتقياء والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم آمين.
