حكومة تسمع وتُصحّح في الإجازة بلا راتب .. ودعوة لمدّ المرونة إلى أساتذة الجامعات
أ.د. خلف الطاهات
في الإدارة العامة، لا تكون الشجاعة دائما في إصدار نظام جديد، انما تتجلى بصورة أوضح في مراجعة نظام قائم عندما تكشف التجربة العملية أنه يحتاج إلى مزيد من المرونة والتوازن. فالحكومة التي تستمع إلى التغذية الراجعة، وتعيد قراءة قراراتها في ضوء النتائج الواقعية، لا تتراجع عن الإصلاح، بل تثبت أنها تفهم جوهره الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يستحق رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إشادة صريحة وقوية على التوجه نحو إعادة تنظيم أحكام الإجازة بدون راتب في القطاع العام بحيث يجعل مدتها مفتوحة وغير مقيدة بعدد من السنوات، بما يحقق معادلة دقيقة بين مصلحة الموظف من جهة، وحماية استمرارية المرفق العام وحسن إدارة الموارد البشرية من جهة أخرى.
وهذا يُحسب بقوة لدولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان؛ لأن الإصلاح الإداري لا يعني التمسك الجامد بالنصوص لمجرد أنها صدرت تحت عنوان التحديث، وإنما يعني اختبارها، وقياس أثرها، وتصويبها عندما يتبين أن بعض أحكامها تحتاج إلى مزيد من المرونة. وهذه هي الإدارة الحديثة التي نريدها؛ إدارة تحمي هيبة الدولة من دون أن تتحول الهيبة إلى جمود، وتحافظ على حقوق المؤسسات من دون أن تتجاهل ظروف الناس وخبراتهم وفرصهم المهنية.
وفي ضوء هذا التوجه الحميد، من المفيد أن تمتد فلسفة المرونة وحسن إدارة الموارد البشرية إلى أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات الرسمية العاملين في جامعات عربية ودولية. ويمكن دراسة استحداث مسار قانوني منظم يسمح بتمديد الإجازة دون راتب لمن استنفدوا مدتها النظامية، على أن يكون التمديد سنويا ومشروطا بعدم وجود حاجة أكاديمية ملحّة إلى عودتهم، وألا يؤثر في العبء التدريسي أو الاعتماد الأكاديمي وجودة البرامج.
وتكمن أهمية هذا المقترح في أنه يمنح الجامعات قدرة أكبر على التخطيط لاحتياجاتها الفعلية، ويجنبها تحمل كلف مالية إضافية في الأقسام التي لا تحتاج إلى عودة جميع المجازين في الوقت نفسه، ناهيك عن تجنيب الجامعات دفع الضمان الاجتماعي والتامين الصحي ورواتب شهرية. كما يحول ملف الإجازات من معالجات فردية واستثنائية إلى إطار مؤسسي واضح، يوازن بين مصلحة الجامعة وحقوق عضو هيئة التدريس، مع إبقاء حق الجامعة في طلب عودته متى اقتضت الحاجة الأكاديمية ذلك.
ولا تقتصر الفوائد على الجانب المالي؛ فوجود أساتذة الجامعات الأردنية في مؤسسات أكاديمية مرموقة خارج المملكة يمكن أن يشكل امتدادًا علميًا ودوليًا لجامعاتهم الأم. ويمكن استثمار هذا الوجود في بناء شراكات بحثية، والإشراف المشترك على طلبة الدراسات العليا، واستقطاب المنح وفرص التدريب، وتبادل الخبرات، وتعزيز حضور الجامعات الأردنية في الشبكات الأكاديمية الإقليمية والدولية.
ويمكن أن يرتبط هذا المسار بمساهمة مالية وأكاديمية منظمة يقدمها المستفيدون، وفق تشريع واضح وضوابط رقابية عادلة، بحيث توجّه الإيرادات إلى دعم البحث العلمي والبنية التحتية والاعتماد الأكاديمي والتحول الرقمي. وبهذا يصبح عضو هيئة التدريس العامل في الخارج شريكا في دعم جامعته وسفيرا أكاديميا لها، بدل أن تبقى إجازته مجرد وضع وظيفي معلق لا تستفيد منه الجامعة.
إن الفكرة لا تستهدف منح امتياز شخصي لفئة معينة، بل إيجاد أداة مرنة لإدارة الموارد الأكاديمية بكفاءة، وتخفيف الأعباء المالية، والحفاظ على الكفاءات الأردنية، وتحويل انتشارها في الجامعات الخارجية إلى فرصة للتدويل والتعاون ودعم الجامعات الرسمية. ويظل نجاحها مرتبطا بوجود معايير معلنة، ومراجعة سنوية، وأولوية مطلقة لمصلحة الطلبة والأقسام الأكاديمية ومتطلبات الجودة والاعتماد.








