د.محمد عاطف عضيبات
لم تكن كلمة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في حفل تخريج الدفعة الأولى من المكلفين بخدمة العلم، كلمة بروتوكولية عابرة في مناسبة عسكرية. كانت، في جوهرها، خطاباً وطنياً مكثفاً يصلح لأن يُقرأ على أكثر من مستوى: مستوى القيم، ومستوى الدولة، ومستوى الشباب، ومستوى المستقبل. وقد بدا واضحاً أن سموه لم يتحدث إلى خريجي خدمة العلم وحدهم، بل خاطب جيلاً أردنياً كاملاً يقف اليوم أمام عالم سريع التحول، ومنطقة مضطربة، وتحديات لا تعترف بالانتظار ولا بالمجاملات.
أهم ما في الكلمة أنها أعادت تعريف خدمة العلم لا بوصفها تدريباً عسكرياً مؤقتاً، بل بوصفها تجربة بناء شخصية. فالأشهر الثلاثة التي تحدث عنها سموه ليست مجرد برنامج ينتهي بشهادة أو استعراض، بل مدرسة في الانضباط، واحترام الوقت، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. وهنا تكمن الرسالة العميقة: الأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا تصان بالعاطفة فقط، بل تحتاج إلى مواطن يعرف واجبه، ويتقن عمله، ويؤمن أن خدمة الأردن ليست محصورة في الميدان العسكري، بل تمتد إلى المصنع، والمدرسة، والجامعة، والمستشفى، والمزرعة، والشركة، وكل موقع إنتاج.
ولهذا يمكن القول إن كلمة سمو ولي العهد تصلح، وبقوة، لأن تكون منطلقاً لاستراتيجية وطنية جديدة للشباب. فهي وضعت الأسس الفكرية والعملية لهذه الاستراتيجية بوضوح: تعبئة الطاقات الشابة، الاستثمار في التعليم والمهارات، الانفتاح على التكنولوجيا، تعزيز الاعتماد على الذات، تحويل التحديات إلى فرص، وترسيخ ثقافة الإنجاز بدلاً من ثقافة الانتظار. هذه ليست عناوين عامة، بل هي أعمدة لأي مشروع شبابي حقيقي يريد أن ينقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن حالة القلق من المستقبل إلى المشاركة في صناعته.
لقد عكست الكلمة رؤية ثاقبة لتطلعات سمو الأمير لمستقبل الشباب الأردني. فسموه لا يريد شباباً يكتفون بالفخر بتاريخهم، مع أهمية هذا الفخر، بل يريد شباباً يصنعون سبباً جديداً للفخر. لا يريد جيلاً يخاف من التغيير، بل جيلاً يفهمه ويقوده. ولا يريد شباباً ينتظرون حلولاً جاهزة من الخارج، بل يؤمنون أن المنقذ الحقيقي هو الإنسان الأردني نفسه حين يمتلك العلم والانضباط والمهارة والثقة. هذه الرؤية واقعية لأنها لا تنكر صعوبة الظروف، لكنها ترفض أن تتحول الصعوبات إلى مبرر للعجز.
ومن أهم دلالات قول سموه إن علينا ألا نخشى التغيير، وأن نعتمد على الذات، أنه ينقل النقاش الوطني من سؤال: ماذا ينقصنا؟ إلى سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل بما نملك؟ وهذه نقلة ذهنية بالغة الأهمية. فالأردن بلد محدود الموارد، لكنه غني بالإنسان. وموقعه الجغرافي الصعب لم يكن يوماً قدراً للضعف، بل كان مدرسة لصناعة الصلابة واليقظة والقدرة على التكيف. والخطر الحقيقي، كما أشار سموه، ليس في التغيير، بل في الجمود. فالجمود يعني أن نبقى أسرى أدوات قديمة في عالم لا ينتظر أحداً، أما التغيير الواعي فيعني أن نحافظ على قيمنا الراسخة، لكن بأدوات جديدة تناسب العصر.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة، وخصوصاً وزارتي التربية والتعليم والشباب. المطلوب ليس الاكتفاء بالإشادة بالكلمة، بل تحويلها إلى برامج قابلة للقياس. على وزارة التربية أن تبدأ من المدرسة، حيث تتشكل شخصية المواطن الأولى. يجب أن تصبح قيم الانضباط، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع، والثقافة الرقمية، والمهارات المهنية، جزءاً عملياً من التعليم لا نشاطاً هامشياً. فالمستقبل لا يحتاج إلى طالب يحفظ فقط، بل إلى طالب يفكر، يحلل، يعمل ضمن فريق، يحترم الوقت، ويملك مهارة يمكن أن يبني عليها حياته.
أما وزارة الشباب، فعليها أن تعيد تعريف دورها. لم يعد كافياً أن تكون الوزارة جهة تنظم فعاليات موسمية أو مخيمات عابرة. المطلوب أن تكون منصة وطنية لتمكين الشباب، تربطهم بسوق العمل، وبالتكنولوجيا، وبالريادة، وبالتطوع، وبالمشاركة العامة. ويمكن، انطلاقاً من مضامين كلمة سموه، أن تُبنى برامج شبابية مستمرة في المحافظات، تجمع بين التدريب البدني، والمهارات القيادية، والوعي الوطني، والعمل التطوعي، والتدريب التقني، بحيث يشعر الشاب أن الدولة لا تخاطبه فقط، بل تستثمر فيه وتثق به وتفتح له الطريق.
كذلك، فإن الخطاب حمل رسالة مهمة حول الأمن الوطني بمعناه الواسع. فالأمن لم يعد فقط حماية الحدود، على عظمة هذه المهمة، بل صار أيضاً حماية المجتمع من البطالة، والفراغ، واليأس، وضعف المهارة، والتطرف، والاعتماد على الآخرين. الشاب المنضبط، المتعلم، المنتج، الواثق بنفسه، هو خط دفاع وطني. والمؤسسة التي تعمل بإتقان هي جبهة. والمعلم الذي يصنع وعياً هو جندي في ميدان البناء. والطبيب، والمهندس، والمزارع، والعامل، ورائد الأعمال، كلهم شركاء في خدمة العلم بمعناه الأوسع.
ومن أجمل ما في كلمة سمو ولي العهد أنها ربطت بين الفخر بالماضي والاستعداد للمستقبل. فاستحضار إرث الحسين الباني، وقيم العسكرية الأردنية، لم يكن عودة إلى الوراء، بل تأكيداً أن الجذور القوية تساعد الشجرة على النمو. نحن لا نحتاج إلى الاختيار بين الأصالة والتحديث. نستطيع أن نكون أوفياء لقيمنا، شجعاناً في تطوير أدواتنا، مؤمنين بوطننا، ومنفتحين على العلم والتكنولوجيا والمعرفة.
إن تخريج الفوج الأول من المكلفين بخدمة العلم يجب ألا يُنظر إليه كحدث منفصل، بل كبداية لمسار وطني طويل. وإذا أحسنت الحكومة والمؤسسات التعليمية والشبابية قراءة كلمة سمو ولي العهد، فإنها ستجد فيها خريطة عمل لا مجرد عبارات ملهمة. المطلوب الآن أن تتحول الرسائل إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها الشباب في حياتهم اليومية.
لقد قال سموه للشباب، بوضوح، إنهم قوة الوطن وركيزته. وهذه ليست مجاملة لجيل جديد، بل حقيقة استراتيجية. فالأردن في مرحلته المقبلة يحتاج إلى شباب يؤمنون أن الإنجاز واجب، وأن الإتقان معيار، وأن خدمة الوطن شرف يومي لا مناسبة عابرة. وحين يصبح كل موقع عمل خندقاً، وكل مؤسسة جبهة إنجاز، وكل مواطن شريكاً في البناء، يكون خطاب ولي العهد قد انتقل من منصة التخريج إلى قلب الدولة والمجتمع.
الأردن لا يخشى المستقبل حين يثق بشبابه. وشباب الأردن لا يخشون التغيير حين يجدون أمامهم مشروعاً وطنياً واضحاً يؤمن بهم، ويطالبهم، ويفتح لهم الطريق. وهذه هي الرسالة التي تستحق أن تتحول إلى استراتيجية وطنية: أن نبني الإنسان الأردني القادر، المنتمي، المنتج، والمستعد دائماً لأن يضع الأردن فوق كل اعتبار.












