عبدالله بني عيسى يكتب
منذ الأمس، رصدنا موجة هجوم واسعة على الوزير محمد المومني، فقط لأن البعض أراد ركوب “التريند” وحصد الإعجابات. (لا تربطني بالمومني أي علاقة شخصية، ولم أسع يوماً لاسترضاء أي مسؤول، بل دفعت ثمن مواقفي غربة امتدت لربع قرن. لكن الخلاف لا يبرر التحريض ولا تصفية الحسابات، فالأوطان أكبر من الجميع).
ولو توقف البعض لدقيقة واحدة مع ضميره، لأدرك أن حديث المومني كان موجّهاً إلى المؤثرين المهتمين بالشأن السياسي، لا إلى صنّاع التفاهة كما جرى تصوير الأمر. لكن إغراء “التريند” كان أقوى من المهنية لدى كثيرين، فانتصر الانطباع الأول على القراءة الدقيقة، واندفع كثيرون خلف موجة الغضب دون محاولة للفهم أو التحقق.
وهذه، للأسف، ليست حادثة معزولة، بل تعبير واضح عن أزمة أعمق تتسع يوماً بعد يوم في المشهد الإعلامي الأردني.
ثمة عجز متزايد في القدرة على القراءة المهنية الدقيقة لأي تصريح أو حدث. أصبحت منصات التواصل رهينة للانطباع الأول، وصار كثير من القراء ينساقون خلف أول تعليق ساخط أو غاضب دون تفكير أو تحقق. وإذا كان هذا السلوك مفهوماً لدى غير المتخصصين، فالمشكلة الحقيقية حين ينساق بعض الصحفيين أنفسهم خلف الانطباع ذاته قبل العامة.
للأسف، أصبح “التريند” في الأردن يُصنع بالانفعال لا بالمعلومة. يكفي أحياناً أن يكتب شخص تعليقاً غاضباً حتى تتبعه مئات وربما آلاف التعليقات المماثلة، دون تدقيق أو قراءة متأنية أو حتى محاولة لفهم السياق (وهنا يقوم البعض وبسوء نية بمحاولة هندسة ردود الأفعال لأغراض سياسية).
الهوس الجماعي بالغضب السريع، والاندفاع خلف حدث عابر، وإعادة التكرار دون طرح أسئلة أساسية مثل: لماذا؟ وكيف؟… كل ذلك تحوّل إلى ثقافة اسمها “التريند”.
ويمكن الإشارة إلى عشرات المزالق المهنية المعيبة التي باتت تطغى على الأداء الإعلامي وتصبغ المشهد العام بقلة المهنية؛ من الاجتزاء المتعمد للتصريحات، إلى الخلط بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والانطباع، مروراً باللهاث خلف الإثارة على حساب الدقة، وصولاً إلى تحويل عدد الإعجابات والتفاعل إلى معيار للنجاح الصحفي.
راقبوا ما يجري في الإعلام المرئي، وحتى في برامج نالت شهرة واسعة محلياً، إذ تتكرر مشاهد مؤسفة:
يُقاطع الضيف حين يجب الإنصات له، ويُترك يسترسل حين يفترض أن يُسأل ويُحاصر بالمعلومة. كثير من المذيعين، للأسف، لا يفهمون أحياناً الأسئلة التي يطرحونها، ولا يركزون في إجابات الضيوف. بل يتكرر أن يجيب الضيف عن نقطة ما بوضوح ضمن سياق حديثه، ثم يعود المذيع ليسأله السؤال ذاته لأنه مدرج مسبقاً في قائمة الإعداد.
المشكلة أعمق من ذلك؛ فثمة خلط واضح بين الخبر والرأي، بين المعلومة والانطباع، بين التقرير والتحليل والخاطرة والتحقيق. في كثير من الأحيان تقرأ مادة صحفية فلا تعرف تصنيفها، بما يعكس أزمة حقيقية في التحرير والتدقيق والمعايير المهنية.
ولعنة “التريند” جعلت عدّاد الإعجابات هدفًا بحد ذاته، بغض النظر عن الوسيلة أو الأثر. بعض من يُطلق عليهم لقب “صحفيين” بنوا شهرتهم على المبالغة والصراخ وركوب الموجة الشعبوية. أصبح الانتقاد السريع وسيلة للشهرة، حتى لو جاء على حساب المهنية أو المصلحة العامة.
الخريجون الجدد من كليات الإعلام، في أمسّ الحاجة إلى التدريب الحقيقي، لكن أبواب المؤسسات الإعلامية تُغلق في وجوه كثير منهم. فيلجؤون إلى مواقع ومنصات برواتب متدنية، ودون تأهيل مهني جاد، لأن تلك المؤسسات نفسها تعاني من ضعف الإمكانيات وغياب الكوادر القادرة على التدريب.
وفي المقابل، تقاعد كثير من المهنيين الحقيقيين أو انسحبوا من المشهد، خاصة مع التحولات التكنولوجية السريعة التي لم تستطع المؤسسات الإعلامية مواكبتها بالشكل المطلوب.
ركب كثيرون موجة غزة بخطاب شعبوي يخاطب العواطف والغرائز، ثم فعلوا الأمر ذاته في الحرب على إيران، وساهموا في تعميق الانقسامات العربية بهدف حصد التفاعل لا أكثر.
وهنا لا أتحدث فقط عن إعلام المعارضة، بل أيضًا عن الإعلام الرسمي والمحسوب على الدولة. نعم، هناك تجارب جيدة تستحق الدعم، لكنها تعاني من مشكلتين أساسيتين: ضعف المهنية، والإفراط في خطاب الوعظ والإرشاد التقليدي الذي لم يعد مناسباً للأجيال الجديدة.
ومن المفارقات أن الأردن نجح في تصدير محللين سياسيين أكثر مما نجح في تصدير إعلاميين. والسبب أن كثيراً من المحللين جاؤوا من خلفيات أكاديمية ومؤسسات تعتمد المهنية والانضباط، بينما دخل المجال الإعلامي أشخاص من خلفيات متباينة، بعضهم بلا دراسة أو تدريب أو حتى موهبة حقيقية.
ولهذا، فإن وجود عدد محدود جداً من الإعلاميين الأردنيين في القنوات الكبرى لا يتناسب مع حجم الكفاءات التي يمتلكها الأردن في مختلف المجالات.
أعتذر إن بدا هذا المنشور غاضباً، لكن البلد لا يحتمل مزيداً من الخفة والتفاهة وتراجع الضمير المهني.












