هاشم عقده يكتب..
إنجاز-في السياسة كما في الاقتصاد لا تُقاس التحالفات بالشعارات بل بالمصالح المشتركة والقدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. ومن هنا يعود سؤال انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي ليطرح نفسه مجدداً بعد التطورات الإقليمية الأخيرة التي تخص الحرب الايرانية الاميركية والتغيرات التي فرضتها التوترات في المنطقة.
قبل خمسة عشر عاماً تقريباً طُرحت فكرة انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي ثم تراجعت دون أن تختفي تماماً. واليوم يبدو أن الظروف التي كانت تدفع نحو الفكرة أصبحت أكثر حضوراً مما كانت عليه في السابق. فالسؤال لم يعد إن كان الأردن قريباً من دول الخليج أم لا بل أصبح: إلى أي مدى ما زال الفصل بين الأردن والمنظومة الخليجية يعكس الواقع السياسي والاقتصادي القائم؟
سياسياً يشكل الأردن أحد أكثر الدول العربية انسجاماً مع دول الخليج في الرؤية تجاه قضايا الاستقرار الإقليمي وحماية الدولة الوطنية ومواجهة الفوضى والتطرف. وخلال العقود الماضية أثبتت المملكة أنها شريك موثوق يتمتع بمؤسسات قوية واستقرار سياسي وأمني جعلها حاضرة في مختلف الملفات الإقليمية كشريك يعتمد عليه.
ولعل من أبرز المؤشرات على مستوى التنسيق السياسي القائم بين الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي أن مندوبي هذه الدول في الأمم المتحدة، وخصوصاً في جلسات مجلس الأمن، دأبوا خلال الفترة الماضية على إلقاء بيانات مشتركة والتحدث باسم دول الخليج والأردن في العديد من الملفات الإقليمية والدولية . وهذا السلوك الدبلوماسي المتكرر لا يعكس مجرد تنسيق بروتوكولي، بل يؤكد وجود تقارب سياسي متقدم ووحدة في الرؤى تجاه عدد كبير من القضايا الاستراتيجية، بما يجعل الأردن شريكاً فعلياً في الموقف الخليجي المشترك حتى وإن بقي خارج الإطار المؤسسي الرسمي للمجلس.
أما اقتصادياً فإن العلاقة بين الأردن ودول الخليج تجاوزت منذ سنوات مفهوم العلاقات التقليدية بين الدول. فدول الخليج تعد من أكبر المستثمرين في الأردن كما أن مئات الآلاف من الأردنيين يعملون في أسواق الخليج ويساهمون في نهضتها الاقتصادية بينما تشكل الاستثمارات الخليجية والتحويلات المالية أحد أهم روافد الاقتصاد الأردني.
لكن النظرة الاقتصادية الحديثة لا تقوم فقط على سؤال ماذا سيستفيد الأردن بل أيضاً ماذا سيضيف. فالأردن يمتلك رأس مال بشرياً مؤهلاً في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والتكنولوجيا والإدارة كما يتمتع بموقع استراتيجي يربط الخليج ببلاد الشام ويملك خبرة طويلة في إدارة المؤسسات العامة والأمن والاستقرار. وهي عناصر تزداد أهميتها في وقت تعمل فيه دول الخليج على تنويع اقتصاداتها والتحول نحو اقتصاد المعرفة.
ومن منظور استراتيجي أوسع فإن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها التكتلات الاقتصادية والأمنية الكبرى. فالتحديات المتعلقة بالأمن الغذائي والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار لم تعد تحديات وطنية تخص دولة بعينها بل أصبحت ملفات إقليمية تتطلب شراكات أعمق وتنسيقاً أكبر.
ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: إذا كان الأردن شريكاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً لدول الخليج وإذا كانت المصالح متشابكة بهذا الحجم وإذا كانت الشعوب الخليجية تنظر إلى الأردن بوصفه بلداً شقيقاً وقريباً منها ثقافياً واجتماعياً فما الذي يمنع الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل؟
بالطبع لا يخلو الأمر من تحديات وأسئلة تتعلق بالبنية الاقتصادية وآليات اتخاذ القرار داخل مجلس التعاون ومتطلبات العضوية الكاملة. لكن التاريخ يعلمنا أن التكتلات الناجحة لا تنشأ عندما تزول جميع العقبات بل عندما تصبح المصالح المشتركة أكبر من العقبات نفسها.
لذلك ربما لم يعد السؤال اليوم: هل يحتاج الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي؟
بل أصبح: هل وصلت المنطقة إلى مرحلة تجعل انضمام الأردن مصلحة مشتركة للأردنيين والخليجيين معاً؟
قد تختلف الإجابات لكن المؤكد أن ما يجمع الأردن ودول الخليج في عام 2026 أكبر بكثير مما كان يجمعها عندما طُرحت الفكرة لأول مرة. ولهذا فإن إعادة فتح النقاش حول انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي لم تعد مجرد قضية سياسية بل أصبحت قضية تتعلق بمستقبل الأمن والاقتصاد والتنمية في المنطقة بأسرها.
