تعمل الحكومة ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام على ترسيخ مفهوم “مهارات المستقبل” بوصفه مدخلا استراتيجيا لإعادة بناء رأس المال البشري، وإعداد الكوادر الوطنية والشباب الأردني وتزويدهم بالمتطلبات والمهارات والقدرات الفنية والعملية والتكنولوجية اللازمة للتعامل مع تحولات عالمية عميقة أعادت صياغة مفاهيم الوظيفة والإنتاج والقيمة المضافة، إضافة إلى إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل وبين الأداء الحكومي ومتطلبات التنمية الشاملة، بما يعكس فهما متقدما لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد الاقتصادات تقاس بحجم الموارد بقدر ما تقاس بقدرة الإنسان على التفكير التحليلي، والتكيف، والابتكار، وتوظيف التكنولوجيا في صناعة الحلول.
ينطلق الاستثمار في مهارات المستقبل من انتقال واع من منطق الشهادة إلى منطق الكفاءة، ومن التلقين إلى التفكير النقدي وحل المشكلات، ومن انتظار الوظيفة إلى المبادرة وصناعة الفرص، عبر التسلح بالمهارات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة. وفي هذا السياق تبرز المهارات الرقمية والتكنولوجية، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتعامل مع التقنيات الحديثة، بوصفها أدوات إنتاج أساسية في الاقتصاد الرقمي، إلى جانب ذلك تكتسب مهارات الإبداع والتفكير الخلاق، والمرونة والقدرة على التكيف، والتعلم المستمر، أهمية متزايدة في سوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة ولا يعترف بالجمود.
كما تشكل مهارات التواصل الفعال، والعمل الجماعي، والذكاء العاطفي، والقيادة والتأثير الاجتماعي ركائز لا غنى عنها في بناء مؤسسات قادرة على العمل بروح الفريق واتخاذ القرار المبني على البيانات والمعرفة، وعندما تدمج الحكومة هذه المهارات ضمن برنامجها التنفيذي، فإنها تؤسس لبيئة حاضنة تمكّن الشباب الأردني من توسيع آفاقهم المهنية، وتعزز قدرتهم على المنافسة في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية، وفي الوقت ذاته تسهم في بناء إدارة عامة أكثر كفاءة ومرونة واستجابة لمتطلبات التنمية الحديثة.
الأثر المباشر لهذا المسار سينعكس بوضوح على الشباب الأردني الذين يواجهون تحديات متراكمة في فرص التشغيل وجودتها، حيث تفتح مواءمة المهارات مع احتياجات السوق مسارات جديدة للتشغيل الذاتي، والعمل الحر، وريادة الأعمال، وترفع من جاذبية الكفاءات الوطنية أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، كما تسهم في تحسين الدخل والاستقرار الوظيفي وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من الفجوات، وبلغة أخرى عندما تتبنى الحكومة هذا المسار ضمن برنامجها التنفيذي فإنها تؤسس لبيئة حاضنة للشباب الأردني تساعدهم في الوصول إلى مجالات أرحب من الفرص والتنافس في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية، مثلما أنها تؤسس أيضا لإدارة عامة أكثر كفاءة ومرونة وقادرة على الابتكار والاستجابة لمتطلبات الإنتاج الحديثة.
وفي البعد التعليمي، يدفع التركيز على مهارات المستقبل نحو إعادة صياغة المناهج وطرق التدريس والتقييم، بحيث تتحول المدرسة والجامعة إلى منصتين لإنتاج المعرفة التطبيقية وربط التعلم بالحياة العملية، هذا التحول من شأنه رفع جودة مخرجات التعليم، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وكسر الحلقة التقليدية التي ربطت التعليم بالبطالة، إلى جانب ترسيخ ثقافة التعلم المستمر بوصفها شرطا أساسيا للاستدامة المهنية.
سياسيا وإداريا، يحمل هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن تحديث القطاع العام يبدأ من الإنسان، من خلال قدرته على التفكير الاستراتيجي، وإدارة ذاته، واتخاذ القرار المسؤول، والعمل ضمن منظومة قيمية تربط الكفاءة بالمسؤولية المجتمعية، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات العامة، ورضا المواطنين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
بيد أن نجاح مشروع مهارات المستقبل يتطلب تكاملا حقيقيا بين السياسات التعليمية والتدريبية والاقتصادية، واستدامة في التمويل، وقياسا دقيقا للأثر، ومشاركة فاعلة من القطاع الخاص والمجتمع المدني، لا سيما وأن عملية التحديث تتطلب مسارا مستداما وطويلا نسبيا يحتاج إلى إرادة صلبة، وخطط تنفيذية منضبطة بأطر زمنية واضحة، ومعايير ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
في المحصلة، يقف الأردن أمام فرصة تاريخية لتحويل التحديات إلى رافعة تقدم عبر الاستثمار في عقول شبابه وموارده البشرية، والمسؤولية جماعية لتحويل مهارات المستقبل من أفكار إلى ممارسة ومن خطة على الورق إلى واقع حي يفتح أبواب الأمل والعمل، ويغذي الإبداع، ويؤسس لاقتصاد وطني أكثر قدرة على الصمود والمنافسة في عالم لا ينتظر المترددين.












