إنجاز – المهندس رزق البلاونه يكتب
الأمين العام السابق لحزب الشعله الاردني
في بلدة الشهابية بمحافظة الكرك، يولد الأمل من جديد رغم الألم، ويطل علينا الطفل عطا الشمايلة ببراءته ولهجته الكركية الأصيلة التي تحمل عبق التاريخ وعراقة المكان. عطا، مواليد 2015، عاش عشر سنوات ليست كغيرها؛ عشر سنوات من الصبر على مرض العظم الزجاجي، أحد أقسى أنواع هشاشة العظام، حيث تتحول كل حركة إلى مغامرة، وكل سقطة إلى عملية جراحية وألم جديد.
لم يدخل عطا المدرسة أو حتى الروضة كباقي أقرانه، فظروفه الصحية والمادية جعلت من مقاعد الدراسة حلماً مؤجلاً، إذ يكفي أن يقترب طفل منه باندفاع بريء حتى يواجه خطر الكسر، والعمليات، والسياخ، وغرف الإنعاش. ومع ذلك، ظل عطا يقاوم المرض بابتسامة عفوية ولهجة كركية أصيلة تخترق القلوب قبل الآذان.
بفطرته البسيطة، جذب عطا أنظار الناس من خلال مقاطع طريفة يتحدث فيها عن عادات الكركيين، مثل طريقة تناول المنسف، فيرويها بطريقته البريئة التي تثير الضحك والدموع معًا. هذه المقاطع لم تكن للترفيه فقط، بل كانت رسالة حياة، تقول إن الجسد قد يضعف، لكن الروح لا تُقهر.
قصة عطا سرعان ما لامست ضمير المجتمع، فأطلق نشطاء حملات دعم له، ليقف الناس إلى جانبه بدلاً من انتقاده، فكل كلمة طيبة أو لفتة إنسانية قادرة أن تزرع في حياته أملاً يعينه على الاستمرار.
ومع أن التطور، ودخول الجامعات، وامتزاج الحضارات غيّب اللكنة الكركية الأصيلة عن بعض مناطق الكرك، وحتى عن الشاشة الأردنية، إلا أن ظهور عطا أعاد هذه اللكنة إلى الواجهة. فالعديد من أبناء الشعب الأردني لا يعرفون ملامحها الحقيقية، ومعرفتي الشخصية بها جاءت خلال دراستي لمرحلة البكالوريوس في كلية الزراعة – جامعة مؤتة/منطقة الربه، حيث كان العديد من أبناء الكرك يحتفظون بها بصفائها وأصالتها.
إن عطا الشمايلة ليس مجرد حالة صحية، بل هو شاهد حي على أصالة الكرك وأبنائها، وتجسيد لمعنى الصبر والكرامة في مواجهة المحن. وهو أيضًا نافذة أعادت لنا ذاكرة اللكنة الكركية التي تذوب شيئًا فشيئًا أمام عجلة الحداثة، ليبقى عطا ببراءته ولسانه الأصيل، عنوانًا للعراقة التي لا تزول.