” فادي غانم “
ليست كل الكلمات خطابات، ولا كل الخطب مواقف. بعض الكلمات، حين تُقال في اللحظة المناسبة وبالصدق اللازم، تتحول إلى فعل دولة، وإلى بوصلة وطنية، وإلى مرآة تعكس ما أُنجز وما ينبغي استكماله. من هذا المعنى العميق، جاءت كلمة فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام أعضاء السلك الدبلوماسي وممثلي المنظمات الدولية، لتتجاوز الشكل البروتوكولي، وتدخل مباشرة في صلب المعنى السيادي والإنساني لقيام الدولة اللبنانية.
حين قال الرئيس:” نحن وطن يتنفس السلام. وإن لا يعرف الاستسلام”، لم يكن يستحضر عبارة شاعرية، بل كان يلخّص نهج عامٍ كامل من العمل الهادئ، الدقيق، والمتدرّج، لإعادة تثبيت فكرة الدولة في زمن الشك، وترسيخ مفهوم السيادة في زمن الالتباس، وبناء الثقة بالمسار الوطني في خضم القيل والقال.
تسلّم العماد جوزاف عون دولة مثقلة بسنوات طويلة من الفراغات، ومؤسسات مستنزفة، وثقة داخلية وخارجية شبه منهارة. ومع ذلك، اختار منذ اليوم الأول ألا يحكم بلغة الأعذار، ولا بمنطق التبرير، بل بمنهج العمل والمسؤولية. فجاءت الأرقام، لا الشعارات، شاهدة على هذا المسار: 2240 مرسومًا في أقل من سنة، أعادت تكوين الإدارات العامة، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، والسلك الدبلوماسي، والقضاء، والقطاعات المالية والنقدية. وهي ليست أرقامًا تقنية، بل دليلًا واضحًا على عودة الدولة إلى العمل بعد سنوات من الشلل.
أما في ملف السيادة، وهو الامتحان الأصعب والأكثر حساسية في تاريخ لبنان الحديث، فقد قال الرئيس ما يجب أن يُقال بوضوح ومسؤولية: لبنان حقق في مجال حصر السلاح وبسط سلطة الدولة ما لم يعرفه منذ أربعين عامًا. حقيقة لا تُلغيها حملات التشكيك، ولا تُحجب بضجيج التخوين. فجنوب الليطاني، اليوم، بات عمليًا تحت سيطرة الجيش اللبناني والقوى الشرعية وحدها، ولم تُطلق رصاصة واحدة من لبنان طوال عام كامل، باستثناء حوادث فردية عولجت فورًا. هذه ليست رواية سياسية، بل واقع موثق، تراه العيون قبل أن تسمعه الآذان.
وفي مسار الإصلاح، لم يكن الخطاب إنشائيًا. إقرار قانون استقلالية القضاء بعد عقود من الانتظار، وتشكيل الهيئات الناظمة للقطاعات الأساسية، وفتح ملفات الإصلاح المالي والمصرفي المؤجلة منذ انهيار عام 2019، كلها خطوات تؤكد أن المعالجة بدأت من الجذور لا من العناوين. والأهم أن هذه الإصلاحات تحققت بالتوازي مع تحسن اقتصادي ملموس، تشهد عليه أرقام المؤسسات الدولية، ونمو الناتج المحلي، وعودة التدفقات المالية، وانتعاش المواسم السياحية والمهرجانات، في صورة أعادت للبنان ملامحه الطبيعية: بلد الحياة لا بلد الانكسار.
وعلى المستوى الخارجي، أعاد الرئيس عون لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن الشرعية العربية، والشرعية الدولية والأممية، لا على هامشها ولا في مواجهتها. عشر زيارات عربية، وأربع أوروبية، وحضور فاعل في المحافل الدولية، تُوِّجت بزيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر، التي شكّلت أكثر من حدث ديني؛ كانت رسالة عالمية واضحة بأن لبنان لا يزال ضرورة إنسانية وحضارية في منطقة مضطربة.
وربما أكثر ما يميّز هذه الكلمة هو توازنها العميق بين الواقعية والأمل. لم يُنكر الرئيس حجم التحديات، ولم يدّعِ إنجاز الكمال، لكنه قال بثقة هادئة ومسؤولة: “سنتابع الطريق، وسنكملها، وسنصل إلى خواتيمها الخيّرة.” وهي ليست ثقة شخص، بل ثقة مشروع، وثقة مسار، وثقة دولة تعود تدريجيًا إلى الوقوف على قدميها.
وسط كل القيل والقال، وكل محاولات التشكيك والتقليل، نقولها بوضوح: كلنا ثقة بأن فخامة الرئيس العماد جوزاف عون سيكمل ما وعد به في خطاب القسم، وأن ما بدأ لن يتوقف. ونحن، كلبنانيين نؤمن بالدولة لا بالشعارات، وبالمؤسسات لا بالفوضى، مع الخيارين: خيار السيادة وخيار السلام العادل.
ومعكم، فخامة الرئيس، نعبر معًا إلى الوطن الذي نحب: وطنٍ حر، آمن، كريم، يتنفس السلام… ولا يعرف الاستسلام.












