انجاز -الأستاذة سمر الجبرة تكتب ..
تُعدّ الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، والبيئة الأولى التي يُفترض أن توفر الحماية والأمان والاستقرار لأفرادها. إلا أن تصاعد جرائم القتل الأسري خلال السنوات الأخيرة يطرح تساؤلات مقلقة حول التحولات الاجتماعية والقيمية التي باتت تهدد هذا الكيان، وحول مدى قدرة المنظومة القانونية والاجتماعية على حماية الأفراد داخل الأسرة من العنف الذي قد ينتهي بأبشع صوره؛ وهو إزهاق الروح.
ويقصد بالقتل الأسري كل فعل يؤدي إلى وفاة أحد أفراد الأسرة على يد فرد آخر تربطه به علاقة أسرية، سواء كان زوجاً أو زوجة أو أباً أو أماً أو ابناً أو أخاً أو أي قريب تجمعه رابطة أسرية بالمجني عليه. وتكمن خطورة هذا النوع من الجرائم في أنها تقع داخل دائرة يفترض أنها قائمة على المودة والرحمة والرعاية، الأمر الذي يجعل آثارها النفسية والاجتماعية أكثر عمقاً وخطورة من الجرائم التي تقع بين الغرباء.
ولا يمكن النظر إلى جرائم القتل الأسري بمعزل عن ظاهرة العنف الأسري التي غالباً ما تسبقها. فالكثير من جرائم القتل لا تبدأ بلحظة غضب عابرة، وإنما تكون الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من العنف الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي أو اللفظي الذي يتم التغاضي عنه أو التستر عليه. فالصمت على العنف، وتبريره باعتباره “شأناً عائلياً”، وعدم التدخل المبكر لمعالجة النزاعات الأسرية، كلها عوامل تسهم في تفاقم المشكلة وتحولها إلى جريمة لا يمكن التراجع عن نتائجها.
كما أن بعض الموروثات الثقافية والاجتماعية السلبية ما زالت تلعب دوراً في تكريس العنف داخل الأسرة، من خلال ترسيخ مفاهيم الهيمنة والسيطرة، أو تبرير الاعتداء تحت ذرائع تربوية أو اجتماعية، أو ممارسة ضغوط على الضحايا لمنعهم من الإبلاغ عن الانتهاكات حفاظاً على “سمعة الأسرة”. وهذه الموروثات لا تتعارض فقط مع مبادئ حقوق الإنسان، بل تتناقض كذلك مع القيم الدينية والأخلاقية التي تقوم على احترام الكرامة الإنسانية وصون النفس البشرية.
وعلى الصعيد التشريعي، فقد حرص المشرع الأردني على توفير منظومة قانونية لحماية الأسرة ومواجهة العنف، من خلال أحكام قانون العقوبات، وقانون الحماية من العنف الأسري، والتشريعات ذات الصلة بحماية الأطفال والنساء وكبار السن، إضافة إلى الإجراءات القضائية والتدابير الوقائية التي تهدف إلى الحد من المخاطر وحماية الضحايا. كما أن الأردن طرف في العديد من الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيز الأمن الأسري.
إلا أن وجود النصوص القانونية وحده لا يكفي ما لم يقترن بتطبيق فعال وحازم. فالفجوة بين النص والتطبيق ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات في مواجهة العنف الأسري؛ لأن النصوص القانونية اللازمة للحماية موجودة إلا أن الموروث الثقافي وضعف الوعي وصمت الضحية من أكثر التحديات التي تعيق وصول الضحية إلى آليات الحماية وبالتالي تعيق تطبيق النصوص والتشريعات، وعليه فإن الحل يكمن في التعاون بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني من خلال حملات التوعية المستمرة التي لا تقتصر على فترات زمنية محددة ترتبط بمناسبة أو حدث، كما أن تأهيل المقبلين على الزواج لا بد أن يصبح أمرا إلزاميا للجميع بغض النظر عن اعتبارات السن، فالتأهيل يشمل توضيح مفهوم الزواج والعلاقة الزوجية والأسرية السوية القائمة على الاحترام والتشارك بعيداً عن مفهوم السلطة، وبالتالي فهم التعامل مع الأبناء وما لهم من حقوق سواء خلال قيام الرابطة الزوجية أو عقب انتهائها، فإذا فهم كل شخص ما له من حقوق وما عليه من واجبات ومسؤوليات والتزامات أصبحت الأسرة آمنة مستقرة وبالتالي نكون أمام مجتمع آمن خال من العقد والضغوطات النفسية والاجتماعية.
إن مجابهة مشكلة القتل الأسري مسؤولية مجتمعية مشتركة تقع على عاتق الجميع حتى لا تتحول هذه المشكلة إلى ظاهرة لا نستطيع السيطرة عليها.












