الصحافة مهنة.. والإعلام استثمار، والتكامل ضرورة
كتب : الصحفي ماهر الشريدة رئيس لجنة حماية المهنة في نقابة الصحفيين
نتفق على ان الممارسة الصحفية مهنة لها أصولها وشروطها، والإعلام كنشاط مؤسسي واستثماري له متطلباته، والإصلاح يبدأ بالفصل بين المسارات وتكامل الأدوار وتوحيد الرؤية.
من هذه الرؤية فان الاتفاق بين نقابة الصحفيين الأردنيين وهيئة الإعلام على اطار تعاون وشراكة استراتيجية خطوة مهمة نحو ترسيخ نهج مؤسسي يقوم على التكامل وتوحيد الجهود، ويفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمنظومة العمل الإعلامي، بما يواكب التحولات الرقمية، ويحمي المهنة، ويعزز حرية الإعلام ومسؤوليته.
والمهم الان أن لا تتوقف عند حدود التنسيق بين مؤسستين، أو تبادل التمثيل في اللجان والاجتماعات، بل يجب أن تكون مدخلًا لمشروع إصلاحي أوسع يعالج تشتّت التشريعات وتداخل المرجعيات وتعدد المسؤوليات، ويضع المصلحة العامة وتطوير الإعلام الأردني فوق أي اعتبارات شخصية أو فئوية أو مؤسسية ضيقة.
الإعلام الاردني لا يحتاج إلى مزيد من الإجراءات المشتتةة بقدر حاجته إلى وضوح الاختصاصات، ولا إلى تعدد التشريعات المتداخلة بقدر حاجته إلى منظومة قانونية متكاملة، تنظم العلاقة بين المهنة والمؤسسة والاستثمار، وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية دون ازدواجية أو تضارب.
التحولات المتسارعة في المشهد الإعلامي فرضت ضرورة العمل السريع نحو قانون موحد للإعلام، أو منظومة تشريعية متكاملة ومنسجمة، تراجع القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة، وتعالج ما بينها من تداخل أو تعارض أو تكرار، وتحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات والمرجعيات المختصة؛ وذلك لا يعني إلغاء القوانين المتخصصة أو دمجها بصورة شكلية، بل بناء إطار تشريعي واضح يحقق الانسجام بينها، ويمنع تضارب الصلاحيات، ويوفر بيئة مستقرة للمؤسسات الإعلامية والصحفيين والمستثمرين، ويحمي حرية الإعلام واستقلاليته ضمن أحكام القانون.
إن تعدد المؤسسات المعنية بالإعلام ليس مشكلة إذا كانت اختصاصاتها واضحة ومتكاملة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتداخل المسؤوليات، وتتعدد المرجعيات في الملف الواحد، ويجد الصحفي أو المستثمر نفسه أمام متطلبات متباينة وتفسيرات مختلفة للتشريعات ذات العلاقة، لذا فالحلول المطروحة ليست بالضرورة في توحيد المؤسسات إداريًا، وإنما توحيد الرؤية التشريعية والتنظيمية، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل اختصاص، وبناء آليات واضحة للتنسيق والمساءلة والمتابعة.
ولعل من أهم القضايا التي ينبغي أن تتصدر أي مراجعة تشريعية للقطاع الإعلامي، ضرورة الفصل الواضح بين الصحافة بوصفها مهنة لها أصولها وشروط ممارستها ومرجعيتها النقابية، والإعلام بوصفه نشاطًا مؤسسيًا واستثماريًا يخضع لمتطلبات التأسيس والتشغيل وفق التشريعات الاستثمارية والسيادية النافذة.
فالخلط بين المسارين يربك توزيع الصلاحيات، ويضعف وضوح المسؤوليات، وقد يؤدي إلى إخضاع الممارسة المهنية لاشتراطات استثمارية لا تتناسب مع طبيعتها، أو التعامل مع تأسيس مؤسسة إعلامية باعتباره كافيًا لاكتساب صفة الصحفي وممارسة المهنة دون استيفاء شروطها القانونية.
من الامور الواضحة تشريعيا ان امتلاك مؤسسة إعلامية أو تأسيس مشروع رقمي لا يمنح صاحبه صفة الصحفي أو الحق في ممارسة المهنة دون استيفاء شروطها، و أن الانتساب إلى نقابة الصحفيين لا يعفي المؤسسة التي يديرها الصحفي أو يملكها من متطلبات التنظيم في حين لا يجوز أن تتحول شروط الترخيص والاستثمار إلى عوائق غير مبررة أمام الصحفيين الراغبين في تأسيس مؤسساتهم ومشروعاتهم الإعلامية، أو أن يُدفع النشاط الصحفي المتخصص إلى مسارات تجارية وإدارية لا تراعي طبيعته ومتطلباته المهنية والتنظيمية النقابية.
منذ بدء الحراك الاصلاحي يطالب الوسط بمعادلة عادلة وواضحة: (المهنة لها شروطها، والاستثمار له متطلباته، والمؤسسة الإعلامية لها التزاماتها، والعلاقة بين هذه المسارات يجب أن تُنظَّم بتشريعات واضحة لا باجتهادات متباينة أو تداخل في الصلاحيات).
لما سبق يجب تحديد الفئات التي يشملها التنظيم المهني، والأنشطة التي تتطلب ترخيصًا مؤسسيًا، والضوابط التي تحكم ممارسة الصحافة، والعلاقة بين المسؤولية التحريرية والإدارة الاستثمارية، مع احترام حرية تأسيس المشروعات الإعلامية وحقوق الصحفيين، وعدم التوسع في فرض شروط لا تستند إلى أساس قانوني واضح وهنا يبدأ التكامل في المسؤوليات بين نقابة الصحفيين في شؤون المهنة وأعضائها وحماية حقوقهم المهنية، و مسؤوليات هيئة الإعلام والجهات الرسمية الأخرى في تنظيم المؤسسات والأنشطة الإعلامية كتجارة واستثمار ضمن اختصاص كل منها.
الأهمية في التكامل تزداد مع التوسع المتسارع في أنشطة الإعلام الرقمي، وتعدد أشكالها ونماذجها، من المؤسسات الإخبارية والمنصات المتخصصة إلى إنتاج المحتوى والخدمات الرقمية والأنشطة الإعلامية الجديدة ما أوجب مراجعة الأطر التشريعية والتنظيمية بما يواكب التغير والتطور، ويحمي الريادة و الابتكار، ويعزز المسؤولية المهنية، دون إخضاع الأنشطة المختلفة لمعايير واحدة لا تراعي طبيعتها أو التزاماتها القانونية بالتمييز الفعلي بين المهنيين والتجار والمستثمرين.
وفيي هذا الصدد يجب تحديد الجهة المختصة بالترخيص والتنظيم والرقابة والإشراف والمتابعة، والتمييز بين رقابة الالتزام بالتشريعات الناظمة للنشاط الإعلامي، وتنظيم ممارسة مهنة الصحافة، والمسؤولية عن المحتوى وفق القانون، وان تكون هذه الاختصاصات محددة بوضوح، بما يمنع ازدواجية الإجراءات وتضارب القرارات، ويضمن المساءلة القانونية واحترام الحريات، كما لا ينبغي أن تكون مراجعة الإعلام الرقمي مدخلًا لتقييد المبادرات أو إقصاء الصحفيين عن هذا المجال، بل فرصة لبناء بيئة أكثر وضوحًا ومرونة، تتيح للمشروعات المهنية والاستثمارية النمو ضمن قواعد عادلة ومعلنة، وتمنع في الوقت نفسه استغلال الغموض التشريعي أو التداخل المؤسسي للتهرب من الالتزامات القانونية.
إن الاتفاق بين نقابة الصحفيين وهيئة الإعلام الذي أعلن الاربعاء يكتسب قيمته الحقيقية من قدرته على الانتقال بالتعاون من مستوى التنسيق في الملفات اليومية إلى شراكة مؤسسية تنتج حلولًا عملية وتشريعات أكثر انسجامًا بما في ذلك تفعيل اللجان المشتركة، وتوسيع مشاركة المختصين والخبراء وأصحاب العلاقة المباشرة، ووضع أولويات واضحة وجداول زمنية لمراجعة التشريعات، ومعالجة التداخل في الصلاحيات، وتطوير تنظيم الإعلام الرقمي، وتحديد العلاقة بين الممارسة المهنية والاستثمار الإعلامي.
كما يتطلب إشراك المؤسسات والجهات المعنية الأخرى، بما فيها الجهات التشريعية والتنظيمية ذات العلاقة، وعدم حصر الإصلاح في مؤسستين مهما كانت أهمية دورهما ، لان بناء منظومة إعلامية متكاملة مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى حوار مهني وقانوني واسع، وإلى قرارات تستند إلى المصلحة العامة والخبرة العملية، تقوم على مبدأ احترام استقلالية المؤسسات، والاعتراف المتبادل باختصاصاتها، وتبادل المعلومات والخبرات، والاحتكام إلى القانون، بعيدًا عن احتكار المبادرات أو المناكفات المؤسسية أو تقديم المصالح الضيقة على متطلبات الإصلاح.
إن إصلاح الإعلام الأردني لا يحتمل أن تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، أو أن تتحول الاختلافات في الصلاحيات إلى منافسة على النفوذ بدل أن تكون أساسا لتكامل المسؤوليات، و لا يمكن تحقيق الإصلاح إذا تقدمت المصالح الشخصية والفئوية والمؤسسية على مصلحة القطاع ومستقبله.
المطلوب الان ليس منح امتيازات خارج القانون، ولا إخضاع الصحافة لمنطق الاستثمار وحده، ولا تحميل المؤسسات الاستثمارية أدوارًا مهنية لا تدخل ضمن اختصاصها، وإنما بناء منظومة عادلة تحدد حقوق كل طرف والتزاماته، وتحمي المهنة دون توسع غير مبرر في احتكارها، وتصون الاستثمار المشروع دون اعتباره بديلًا عن التأهيل المهني وشروط ممارسة الصحافة.
والإعلام الأردني لا يحتاج إلى سباق بين المؤسسات لإثبات الحضور، بل إلى نهج مشترك نحو الإصلاح. و يحتاج إلى وضوح المسؤولية ووحدة الهدف وليس الى تعدد المرجعيات المتنازعة.




