إنجاز – خليل النظامي يكتب ..
في المواقف الصعبة يسقط القناع، ويظهر من يملك موقفا، ومن يختبئ ومن لا يستحق أصلا أن يسمى حزبا.
وما رأيته وفعلته أحزاب أردنية كثيرة في هذه المرحلة لا يندرج تحت بند التريث، ولا الحكمة ولا قراءة المشهد، فما فعلته هو صمت فاضح ومهين، يكشف فراغا سياسيا وأخلاقيا كاملا.
فالحزب الذي لا يصدر موقفا في وقت التوتر فلا دور له، والحزب الذي يلوذ بالصمت بينما الناس والمواطنين يتخبطون بين خطاب إيراني وخطاب أمريكي، هو حزب غائب عن وظيفته الوطنية.
والأخطر أن هذا الغياب لا يقع في هامش المشهد، بل في قلبه، لأن وظيفة الحزب هنا أن يقود الوعي وأن يضبط البوصلة وأن يعلن بوضوح أن الأردن ليس تابعا لأحد، ولا ساحة مفتوحة لمحاور الخارج.
واليوم يقف الكثير من الأردنيين في المنطقة الرمادية، فنجد بعضهم يصفق لإيران وكأنها وصية على المنطقة، وبعضهم يكرر الرواية الأمريكية وكأنها قدر سياسي.
وما بين هذا وذاك، تغيب أحزاب كان يفترض أن تقول كلمة واحدة واضحة، نحن مع الأردن.
لكن كثيرا من هذه الأحزاب لم يقل شيئا، ولم يصدر بيان، ولم يشرح موقف، ولم يمارس الحد الأدنى من المسؤولية، واختار الاختباء، وكأن الوطن شأن مؤجل، ولا يعنيه الانقسام الفكري والسياسي.
وهذا ليس تقصيرا عاديا، إنما هذا سقوط سياسي وفكري، لأن الحزب الذي لا يتكلم حين تتعرض الأولويات الوطنية للتشويش، لا قيمة له، والحزب الذي يصمت حين يحتاج الناس إلى خطاب وطني واضح، ليس جزءا من الحل بل جزء من الأزمة، وجوده الشكلي لا يمنحه شرعية سياسية.
إلى ذلك، تتوهم بعض الأحزاب أن الصمت يحميها، والحقيقة أن الصمت يفضحها، ويفضح خوفها وهشاشتها، ويفضح أنها لا تريد دفع ثمن الموقف، وهذا هو جوهر الإفلاس السياسي، لأن السياسة ليست فن الهروب، وليست مهارة التواري عند لحظة الامتحان، وانما السياسة موقف ووضوح وقدرة على تحمل المسؤولية عندما تختلط الأصوات وتتصارع الولاءات والانتماءات.
ومن المعروف ايضا، ان التنمية السياسية لا تعني تكثير الأحزاب، ولا توزيع التراخيص شرقا وغربا، ولا تجميل المشهد العام بأسماء بلا أثر وتأثير، وانما التنمية السياسية تعني أحزابا تبني وعيا وطنيا، وتواجه الاستقطاب، وتحمي المجتمع من الارتهان للخارج.
فإذا صمتت الأحزاب في أكثر اللحظات حاجة إلى دورها، فهي لا تفشل فقط بل تتحول إلى عبء على الدولة وعلى المجتمع وعلى الفكرة الحزبية نفسها.
والأردن لا يحتاج حزبيين وأحزابا تتقن الاختباء، ولا يحتاج كيانات تصمت حين يجب أن تتكلم، بل ان الأردن يحتاج أحزابا تملك شجاعة القول ووضوح الانحياز، وصلابة الموقف، ويحتاج أحزابا تقول للأردنيين إن الولاء للأردن ليس خيارا ثانويا، بل هو أصل السياسة وأساسها.
أما الأحزاب التي صمتت، فهي لا تستحق عذر التردد ولا مجاملة المرحلة، هي أحزاب أخفقت في أول اختبار جاد، وأعلنت بصمتها قبل كلامها، أنها خارج المعنى الحقيقي للسياسة، وخارج معنى المسؤولية، وخارج واجبها تجاه الدولة والمجتمع.
#خليل_النظامي












