الاستاذة سمر الجبرة
بقلم: الأستاذة سمر الجبرة
في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يقف العالم أمام واحدة من أخطر القضايا التي تهدد الأمن الإنساني والتنمية والاستقرار المجتمعي، وهي قضية المخدرات. فهذه الظاهرة لم تعد مجرد مشكلة صحية أو سلوك فردي منحرف، بل أصبحت قضية حقوقية وقانونية واجتماعية تمس حق الإنسان في الحياة والأمن والصحة والكرامة، وتهدد كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى للمجتمع.
إن انتشار المخدرات لا يحدث من فراغ، وإنما تقف خلفه مجموعة من الأسباب المتداخلة؛ منها ضعف الوعي، والبطالة، والفقر، والتفكك الأسري، ورفقاء السوء، وسهولة الوصول إلى المواد المخدرة عبر وسائل مختلفة، إضافة إلى الضغوط النفسية وغياب الاحتواء الاجتماعي، فضلاً عن تعمد شبكات الاتجار بالمخدرات استهداف الشباب واستغلال ظروف بعض الفئات المعرضة للخطر لتوسيع دائرة التعاطي والإدمان.
ولا تتوقف آثار المخدرات عند حدود متعاطيها، بل تمتد لتطال أسرته ومحيطه ومجتمعه ؛فهي تؤدي إلى انهيار العلاقات الأسرية، وزيادة معدلات الطلاق، وإهمال الأطفال، والتسرب من التعليم، وفقدان الإنتاجية، وارتفاع معدلات الجريمة، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية والصحية التي تتحملها الدولة.
ومن أخطر النتائج التي بدأت تظهر بوضوح العلاقة الوثيقة بين المخدرات والعنف الأسري. فقد تكون المخدرات سببًا مباشرًا في ممارسة العنف نتيجة فقدان السيطرة والاندفاع والاضطرابات النفسية المصاحبة للتعاطي، وقد تكون في أحيان أخرى نتيجة للعنف الذي يتعرض له أحد أفراد الأسرة، فيلجأ إلى الإدمان هروبًا من واقع مؤلم أو بيئة أسرية مضطربة. وهذه العلاقة المتبادلة تجعل من معالجة إحدى الظاهرتين دون الأخرى غير كافٍ.
كما أن العديد من جرائم القتل الأسري ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتعاطي المخدرات أو الاتجار بها، سواء بسبب فقدان الإدراك، أو نوبات العدوانية، أو النزاعات المالية، أو الضغوط التي يولدها الإدمان داخل الأسرة. ومن هنا فإن مكافحة المخدرات تمثل أيضًا إحدى وسائل الوقاية من الجرائم الأسرية وحماية الحق في الحياة، وهو الحق الذي كفلته الدساتير والمواثيق الدولية والتشريعات الوطنية.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها مؤسسات الدولة من خلال تطوير التشريعات، وتعزيز عمل الأجهزة الأمنية، وملاحقة شبكات التهريب والاتجار، وتوفير برامج العلاج والتأهيل، فإن المواجهة الحقيقية لا يمكن أن تعتمد على الجانب الأمني وحده، لأن الوقاية تبدأ قبل وقوع الجريمة، وقبل أن يقع الفرد في دائرة الإدمان.
ومن هنا يبرز الدور المحوري لمؤسسات المجتمع المدني في نشر الوعي، وتنفيذ البرامج الوقائية، لأن الحل يبدأ من الوقاية، والوقاية تحتاج إلى تكثيف حملات التوعية بمخاطر المخدرات على مدار العام دون الارتباط بمناسبات أو أوقات محددة، كما أنها تحتاج إلى تطوير المناهج الدراسية وتضمينها لمواضيع دراسية تسلط الضوء فعلياً على ما تسببه هذه الظاهرة من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، إضافة إلى ضرورة توجيه الإعلام الرقمي والمؤثرين وصناع المحتوى لمجابهة هذه الظاهرة.
إن أمن المجتمع يبدأ من أمن الفرد الذي هو مسؤولية الأسرة والتي إذا نشأت آمنة مستقرة دون اضطرابات نشأ على إثرها مجتمع آمن مستقر منتج يطور من نفسه ويحقق الأمجاد ويحقق النتائج الفعلية لخطط التحديث والتطوير والتنمية المستدامة.
