محمد العوضات
إنجاز-محمد العوضات يكتب
في ذلك الفجر الذي لم يشبه أي فجر، حين كان الندى يغسل أوراق الزيتون على ضفاف النهر الخالد، لم يكن الصمت سكوناً، بل كان نفساً عميقاً يسبق العاصفة. هناك، حيث تعانق الأرض السماء، وقف الجندي الأردني شامخاً كجبال السلط، عيناه ترصدان الغدر، وقلبه ينبض بإيمان لا تهزه الرياح. لم تكن مجرد معركة على حدود جغرافية، بل كانت معركة على خارطة الوجود، واختباراً لصلابة المعدن الذي لا يلين مهما اشتدت عليه المحن.
حين دوت المدافع، لم يرتجف الغور، بل زأر الأسود في خنادقهم، معلنين للعالم أجمع أن الكرامة ليست شعاراً يُكتب في الكتب، بل هي فعلٌ يُسطر بدموع الأمهات وعرق الرجال. التحمت الأجساد بالتراب، وصار الرصاص لحناً للحرية، فتساقطت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” تحت أقدام من وهبوا أرواحهم لله والوطن. في تلك الساعات، توقفت عقارب الساعة لتنحني إجلالاً لرجالٍ أبوا أن تمر الدبابات إلا فوق صدورهم العامرة بالعز، فاستحال النهر سداً منيعاً، وتحول الغور إلى مقبرة لمن ظنوا أن الأرض مستباحة.
لم تنتهِ المعركة بانسحاب المعتدي فحسب، بل بدأت عندها حكاية فخر لا تنتهي؛ حكاية الإنسان العربي الذي نفض غبار الانكسار واستعاد هيبته المسلوبة. إنها القوة الكامنة في روحنا التي تنفجر حين يظن الظانّون أننا وهنّا. الكرامة اليوم هي نبض في عروقنا، ووصية نهمس بها في آذان الصغار ليعلموا أن هذا الوطن لم يُبْنَ بالصدفة، بل شُيّد بمهج الأبطال الذين جعلوا من أجسادهم جسوراً ليعبر عليها جيلٌ مرفوع الرأس، لا ينحني إلا لخالقه.
فيا أيها النهر الشاهد، ويا أيها الغور الصامد، ستبقى ذكراهم عطراً يملأ الأرجاء، وستظل “الكرامة” بوصلتنا التي تشير دائماً نحو النصر، لتخبر كل من يمر من هنا: أن في هذه الأرض رجالاً، إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا أوفوا، وإذا استُنهضوا أذاقوا العدو طعم الندم. إنها ذكرى تُجدد فينا العهد، أن نبقى حراساً لهذا الحمى، حاملين مشاعل المجد، لا نساوم على ذرة تراب، ولا نرضى بغير القمم سكناً.
