
ممدوح النعيم
بينما تتجه الأنظار نحو رؤية طموحة لرفع سوية البلديات وتعزيز حضورها المؤسسي عبر قانون جديد، يبرز تساؤل جوهري حول مدى توافق هذه الرؤية مع القرارات المتخذة على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بتعيين لجان لإدارة البلديات خلال الفترة التي تسبق إقرار القانون وإجراء الانتخابات.
وفي سياق تبريرات حل المجالس البلدية قبل انتهاء موعدها القانوني، يطرح سؤال: هل الانتقادات الموجهة لرؤساء البلديات المنتخبين كانت مجرد تمهيد لقرار الحل؟ وهل قرار الحل استند إلى مبادئ الشفافية والفعالية؟ وهل جاءت تعيينات المجالس البلدية لمعالجة الاختلالات أم أنها فاقمت الأزمة؟
هذا يدفعنا إلى قراءة واقع تحديات الإدارة المحلية ورؤية الوزير وواقع التنفيذ المتصل بالفترة الانتقالية التي تسبق إقرار القانون وإجراء الانتخابات.
يتحدث وزير الإدارة المحلية عن واقع البلديات التي تعاني من مديونية، وعن سعيه الدؤوب لرفع سويتها الفنية والإدارية والمالية، وصولًا إلى قانون يعزز من حضورها المؤسسي ودورها التنموي.
هذه التصريحات، وإن كانت تحمل في طياتها أملًا بالإصلاح، إلا أنها تصطدم بواقع مغاير يثير العديد من علامات الاستفهام.
فهل كان الهدف من الانتقاد المتكرر لأداء رؤساء البلديات المنتخبين هو تبرير قرار الوزارة بتعيين لجان إدارية بديلة؟ وهل ضمت هذه اللجان بالفعل أصحاب الكفاءات والخبرات القادرة على معالجة الاختلالات المالية والإدارية التي طالما كانت محور الشكوى؟
من يتابع عن كثب تعيينات أعضاء اللجان البلدية، يلحظ غيابًا واضحًا لأي جديد في تناول واقع البلديات، أو رؤية حكومية متميزة عن الإدارة السابقة للمجالس المنتخبة. بل يذهب مراقبون إلى أن التعيينات العشوائية والازدواجية في المهام، حيث يتم وضع أعضاء في أكثر من بلدية، أو تعيين أشخاص لأغراض استرضائية لا تتصل بكفاءتهم، ساهمت بشكل مباشر في ارتفاع وتيرة الأزمة المالية والإدارية التي تعاني منها البلديات.
هذا النهج يثير تساؤلات حول مدى جدية الوزارة في معالجة جذور المشكلة، ومدى التزامها بمبدأ الكفاءة والخبرة.
يسعى وزير الإدارة المحلية للوصول إلى قانون متقدم للبلديات، يهدف إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة ورفع كفاءة الأداء، ولكن في الوقت ذاته، تتخذ الوزارة قرارات لا تتوافق مع رؤيتها المعلنة، خاصة فيما يتعلق بتشكيل وتعيين أعضاء في اللجان لا يحوزون على الحد الأدنى من المؤهلات والخبرات التي قد يتطلبها مشروع القانون الجديد نفسه.
هذا التناقض يضع الوزارة في موقف حرج؛ فكيف يمكنها الترويج لقانون إصلاحي طموح، بينما تعمل في الوقت نفسه بقرارات تتناقض مع جوهره ومبادئه الأساسية؟
إن مستقبل البلديات، كركيزة أساسية للتنمية المحلية، يتوقف على مدى التزام الجهات المعنية بالشفافية والكفاءة والمساءلة. فبينما تظل الحاجة ماسة لإصلاح شامل يعزز من قدرة البلديات على تقديم الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة، فإن أي قرارات إدارية يجب أن تكون متسقة مع هذه الأهداف، وأن تستند إلى معايير واضحة للكفاءة والنزاهة. إن التحدي الحقيقي يكمن في تجاوز دائرة الانتقادات المتبادلة والتوجه نحو بناء مؤسسي حقيقي يضمن للبلديات الاستقلالية والقدرة على خدمة مجتمعاتها بفعالية، بعيدًا عن أي تجاذبات وتعيينات تفتقر للمبررات المهنية
