د.منيرة جرادات
الدكتورة منيرة جرادات تكتب ..
لم تكن نتائج انتخابات المجالس الطلابية الأخيرة في بعض الجامعات الأردنية مجرد حدث جامعي عابر، ولا تفصيلاً إدارياً ينتهي مع إعلان أسماء الفائزين. لقد كشفت هذه النتائج، بوضوح لا يُحتمل كثيراً من التأويل، أن المُتغير العشائري كان أكثر حضوراً وتأثيراً من المُتغير الحزبي، وأن الجامعة التي كان يُفترض أن تكون مختبراً مبكراً للتحديث السياسي ما تزال، في كثير من الحالات، تُعيد إنتاج البُنية الاجتماعية التقليدية أكثر مما تُنتج وعياً سياسياً مُنظماً يتفق ومخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
ليست المشكلة في العشيرة بحد ذاتها، فالعشيرة مُكون اجتماعي أصيل في الدولة الأردنية، ولها دور تاريخي لا يمكن لعاقل انكاره في التماسك والاستقرار والمساهمة في بناء الدولة الاردنية. لكن، المشكلة تبدأ حين تتحول العشائرية من رابطة اجتماعية ضرورية للاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى أداة انتخابية بديلة عن البرامج، وحين يصبح سؤال الطالب: “من ابن من؟”… “من اي عشيرة؟”… لا “ما مشروعه؟” ولا “ما هو حزبه او فكره او برنامجه”، عندها لا تعود الانتخابات تدريباً على المواطنة الحقة التي يسعى التحديث السياسي لتكريسها، بل تمريناً على الاصطفاف الأولي الذي يوئتمل تجاوزه في الانتخابات، ولا تعود الجامعة مساحة لاختبار الأفكار، بل ساحة لتكرار ما يُفترض أن التحديث السياسي جاء بالأصل لتجاوزه وجعل الاحزاب ركيزه أساسية لعملية التحديث السياسي برُمتها.
هذه النتائج تطرح أسئلة مشروعة على الدولة الأردنية: بعد منظومة التحديث السياسي ومخرجات اللجنة الملكية، وبعد كل الحديث الرسمي عن تمكين الشباب وتوسيع المشاركة الحزبية، لماذا تبدو الحزبية في بعض الجامعات أقل قدرة على الإقناع والحضور؟ لماذا لم تتحول القوانين الجديدة والخطابات والندوات إلى سلوك انتخابي مختلف؟ ولماذا يشعر الطالب أن الانتماء العشائري أكثر فاعلية وأماناً من الانتماء البرامجي أو الحزبي؟ وربما فإن السؤال الأهم هو: هل الانتماء العشائري يصبح هو البديل الوحيد المُتاح امام الطلبة في ظل فشل الأحزاب بأن تكون البديل المُقنع لذلك؟
السؤال هنا لا يُوجّه إلى الطلبة وحدهم لأنهم يتصرفون ضمن بيئة عامة، فإذا كانت الأحزاب ضعيفة في الجامعة، فذلك يعني أن صورتها في المجتمع لم تتغير بما يكفي، حيث عادة يُنظر للجامعة على أنها الصورة المصغره للمجتمع. وإذا كان الطالب لا يرى في الحزب طريقاً للتأثير، فذلك يعني أن خطاب التحديث لم يصل إليه كفرصة حقيقية، بل ربما وصله كشعار رسمي أو نشاط موسمي. والسياسة لا تُصنع باليافطات، ولا بتوزيع النشرات، ولا بمحاضرات بروتوكولية تنتهي بانتهاء التصوير. السياسة تُصنع حين يشعر الشاب أن رأيه محترم، وأن مشاركته مؤثرة، وأن الحزب ليس مغامرة اجتماعية أوعنواناً للوجاهة، بل مؤسسة أفكار وبرامج.
من هنا، فإن الرسالة مُوجّهة بوضوح إلى وزارتيّ الشباب والشؤون السياسية والبرلمانية، وإلى وزارتيّ التربية والتعليم والتعليم العالي أيضاً، والى مؤسسات المجتمع المدني بما فيها الاحزاب كذلك. إن برامج تمكين الشباب سياسياً تحتاج إلى مراجعة جادة لا إلى دفاع إعلامي. كم شاباً خرج من هذه البرامج وقد امتلك فعلاً أدوات النقاش والتنظيم والاختيار؟ وكم برنامجاً قاس أثره الحقيقي في صناديق الاقتراع الطلابية لا في عدد الحضور والصور المنشورة؟ إن ذلك لا يعني غياب الجهد، بل قد يعني أن الجهد ذهب في الاتجاه الخطأ.
الأخطر أن هذه النتائج قد تبدو تراجُعاً مُقلقاً عما كان عليه الحال قبل سنتين، حين بدت الحزبية أكثر وضوحاً في بعض الانتخابات في بعض الجامعات الاردنية . وإذا صح هذا الانطباع، فنحن أمام مؤشر يجب ألا يمر بسهولة. فالتحديث السياسي لا يُقاس فقط بعدد الأحزاب المُرخصة، ولا بعدد اللقاءات الشبابية، بل بقدرته على تغيير الثقافة السياسية اليومية، فالجامعة هي أول مكان يجب أن يظهر فيه هذا التغيير.
ما العمل؟ فبعد أن وضِعت الكرة في ملعب الاحزاب، هل تستطيع الاخيرة مخاطبة الطلبة ببرامج جامعية حقيقية: النقل، الرسوم، التدريب، الحريات الطلابية، نوعية البرامج الدراسية، فرص العمل، لا بشعارات عامة، لا تساعدهم على الانتخاب على اساس برامجي. وعلى المستوى الوطني، يجب قياس برامج التمكين الموجهه للشباب بنتائجها لا بنواياها.
إن الفجوة بين التوجيهات الملكية السامية وسلوك الحكومات على الأرض ليست قدراً، لكنها تصبح خطراً إذا جرى إنكارها. وما قالته صناديق الجامعات الأخيرة يستحق أن يُسمع بجدية: الشباب لا يكفي أن ندعوهم إلى السياسة، بل يجب أن نقنعهم أن السياسة تستحق ثقتهم.
