
عماد عبدالرحمن
عماد عبدالرحمن يكتب ..
مع الساعات الأولى للحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران، بدا واضحاً أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف عن جولات التصعيد السابقة، ليس فقط بسبب حجم الضربات أو طبيعة الأهداف، بل لأن الصراع هذه المرة يمس بنية التوازن الإقليمي ولربما العالمي بالكامل.
ومن وجهة نظر أردنية، السؤال الأهم الآن كيف ستتغير خريطة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بعد هذه الحرب، خصوصا بعد الهجوم الإيراني على القواعد الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي؟
الأردن، بحكم موقعه ولدوره السياسي، يقف دائماً في قلب أي تحوّل إقليمي، بحكم موقعه الجيوسياسي المعقد، حتى عندما لا يكون طرفاً فيه، فالمملكة تدرك أن الحروب الكبرى في الإقليم لا تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل تمتد ارتداداتها سريعاً إلى الأمن والاقتصاد والطاقة وحركة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة بأكملها.
النتيجة الأولية لما حدث صباح السبت، ان الحرب تجاوزت الطرفين الرئيسيين وهما إسرائيل وإيران، ونجحت إسرائيل في جر الولايات المتحدة للحرب لتكون طرفا رئيسا فيها بعد ان كانت وسيطا بين دول المنطقة، وعليه باتت إسرائيل مقتنعة ان الموضوع لم يعد مجرد حرب للردع العسكري، بل محاولة إعادة تشكيل الواقع الإقليمي عبر إضعاف أو إسقاط النظام الإيراني، هنا تحديداً يكمن مصدر القلق الأردني، لأن تجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين أثبتت أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يفتح فراغاً أمنياً واسعاً.
ولعل تجربتي العراق بعد 2003، وسوريا بعد 2011، تقدمان نموذجاً واضحاً بعد ثبوت ان انهيار مركز السلطة لا ينهي الصراع بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً، غالباً عبر الفاعلين الدوليين والميليشيات العابرة للحدود. وهذا السيناريو هو الأكثر حساسية لدول الجوار، وفي مقدمتها الأردن.
التخوف الأردني المهم ايضا يكمن في ان اتساع رقعة الاشتباك قد يؤدي الى ثلاثة مخاطر رئيسية: أولها اضطراب طرق التجارة ومصادر الطاقة في الخليج والبحر الأحمر، وقد بدأت أولى النتائج بوقف تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر والأردن، بذريعة “الظروف القاهرة”.
وثانيها، ان تصاعد التوتر الأمني الإقليمي ينعكس على الحدود خصوصا الحدود الشمالية والشرقية للأردن التي تواجه اصلا تحديات جمة منذ عام 2011 وبالتالي التأثير على الاستقرار الداخلي.
التخوف الثالث الضغوط الاقتصادية العالمية التي قد تحدث نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز وتراجع السياحة والاستثمار.
فالأردن، يعتمد كثيرا على الاستقرار الإقليمي كركيزة اقتصادية وأمنية، وهو يدرك أن أخطر نتائج الحروب ليست العسكرية بل نتائجها وتأثيراتها الاقتصادية طويلة المدى.
الأخطر من كل ذلك، تحول الحرب الى حرب مفتوحة زمنيا بعكس ما تسعى اليه الولايات المتحدة من حرب محدودة تنتهي باتفاق سياسي، وهو ما يتناقض مع الهدف الاستراتيجي لإسرائيل التي تسعى لتقويض قدرات الدولة في إيران وإزالة التهديدات على المديين القصير والبعيد، هذا التباين الضيق مهم للأردن كمدخل، لأن طول أمد الحرب يعني استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة، وهو السيناريو الأكثر كلفة للدول المتوسطة التي تعتمد على الاستقرار لا على الصراع.
في ظل هذه المعطيات، ما السيناريوهات المحتملة؟
السيناريو الأول: حرب قصيرة تنتهي بتفاهم نووي جديد – وهو الخيار الأقل كلفة إقليمياً.
والسيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة تعيد تشكيل التحالفات وتضغط اقتصادياً على المنطقة.
والسيناريو الثالث: انفجار إقليمي واسع وهو الأخطر، حيث تختلط الجبهات وتتراجع السيطرة السياسية على مسار الأحداث.
حسب المعطيات يرجح السيناريو الثاني فهو الأقرب لغاية الان، إلا في حال حدوث أمر استثنائي وغير تقليدي، لكن الحرب لا تُقرأ عادة باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل اختبارا لمستقبل الإقليم كله، فاستقرار الشرق الأوسط لا يتحقق عبر إسقاط الخصوم بالقوة وحدها، بل عبر بناء توازنات سياسية تمنع الانفجار الدائم.
في ظل هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تبقى الأولويات الأردنية واضحة بتحصين الداخل، دعم الاستقرار، البحث عن بدائل سريعة لمصادر الطاقة، والدفع نحو حلول سياسية قبل أن تتحول الحرب من حدث عابر إلى مرحلة تاريخية طويلة من عدم الاستقرار، فالمنطقة لا تحتاج الى حرب جديدة بقدر ما تحتاج لنهاية حقيقية لدورات الحروب المتكررة.
