
عماد عبدالرحمن
عماد عبدالرحمن يكتب
المحاولة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية عبر خطة “مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة، بعد وقف الحرب، لإعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في القطاع بعد حرب الإبادة الإسرائيلية، لا تحظى بالاهتمام والأولوية اللازمتين، رغم السعي لعقد الاجتماع الأول للمجلس بمشاركة نحو 20 دولة، وذلك في ظل تسارع الأحداث على صعيد الملف الإيراني، وتركيز الاهتمام على المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة والتحشيد العسكري المستمر بالمنطقة.
المشروع الأمريكي الذي تسعى واشنطن لتبنيه من قبل المجتمع الدولي، لتجاوز المرحلة الأكثر تعقيدا من الحرب نفسها، يركز على الربط بين اعادة إعمار القطاع والترتيبات الأمنية ومستقبل الحكم ،ضمن مقاربة شمولية تعالج كافة الملفات المطروحة، الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي لجهة تغيير الواقع المرير.
هذا الإطار ،كما هو مخطط له سيقوم بمهمة الإشراف على إعادة إعمار القطاع المدمر والذي يعيش سكانه كارثة أنسانية لا مثيل لها، وإدارة المرحلة الإنتقالية، بمشاركة دولية، الى جانب تعهدات بإستثمارات مالية تقارب قيمتها 5 مليارات، وإن كانت لا ترقى لمستوى الخسائر الهائلة التي تسبب فيها الإحتلال على مدار عامين، إذ قدرت قيمتها بنحو 70 مليار دولار، وهنا تظهر أولى التحديات والحاجة لضمانات فالدول المانحة لا تريد تمويل إعادة إعمار قد يتم تدميرها مجدداً في جولة اعتداءات جديدة.
ايضا، أحد ابرز العقبات التي تواجه المشروع الامريكي مسألة سحب سلاح حركات المقاومة الفلسطينية، إذ تهدف إسرائيل الى أن أي عملية إعادة إعمار يجب أن ترتبط بإنهاء ما تسميه قدرات للحركة بشكل كامل، بينما تعتبر حماس السلاح ضمانة سياسية وأمنية لا يمكن التخلي عنها دون تسوية شاملة تنهي الاحتلال وتحدد مستقبلا سياسيا واضحا للقطاع، علمأ ان الجدل يدور الآن على 60 الف قطعة سلاح من نوع الكلاشنكوف لدى حماس، هي ما تركز عليه إسرائيل تحت مسمى ” قدرات حماس العسكرية”.
وبين هذين المفصلين، تركز المفاوضات على طرح صيغ تدريجية تقوم على تقليص السلاح على مراحل، في محاولة لتجنب الوصول إلى طريق مسدود.
إضافة الى ذلك، يبرز سؤال الحكم كأحد أكثر الملفات حساسية. فالمقترحات المطروحة تتحدث عن لجنة تكنوقراط فلسطينية تتولى الإدارة المدنية بدعم دولي، مع إعادة تنظيم الأجهزة الشرطية لضمان الاستقرار الداخلي ومنع الفوضى. غير أن هذه الصيغة تواجه بدورها تحديات سياسية، سواء بسبب الخلافات الفلسطينية أو التحفظات الإسرائيلية على أي دور مباشر للسلطة الفلسطينية.
العامل الإقليمي الأهم يتمثل في الموقف العربي، خصوصاً الدول القادرة على التمويل. فهذه الدول تشترط وجود أفق سياسي واضح يضمن إنهاء الحرب بشكل دائم، وليس مجرد هدنة مؤقتة. ومن دون هذه الضمانات، سيبقى الدعم المالي محدوداً، ما يهدد بتحويل المشروع إلى إطار سياسي بلا أدوات تنفيذ حقيقية،اضف الى ذلك، هناك تحفظات من اطراف دولية بارزة ،فالفاتيكان أعلن رفض المشاركة، معتبراً أن إدارة الأزمات الدولية يجب أن تتم عبر الأمم المتحدة لا عبر مجلس سياسي منفصل، كما ان دولا أوروبية عدة اختارت دور المراقب فقط، وسط انتقادات لغياب تمثيل فلسطيني كاف.
في الوقت الراهن، يقف “مجلس السلام” عند تقاطع مصالح متناقضة، وتأخير في تنفيذ الالتزامات ومنها وقف الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع، وتأخير دخول اللجنة الإدارية الفلسطينية الى القطاع، والفوضى على الساحة السياسية الفلسطينية نتيجة خنق السلطة الفلسطينية ومحاولات إسرائيل المستمرة إضعافها، لذلك فإن نجاح المشروع لن يعتمد فقط على حجم التمويل أو قوة الرعاية الدولية، بل على قدرته في إنتاج تسوية سياسية قابلة للحياة، تعالج جذور الصراع لا نتائجه فقط. وحتى الآن، ما يزال المجلس مشروعاً قيد الاختبار، بين فرصة لفتح مسار جديد للاستقرار، واحتمال التحول إلى مبادرة أخرى تصطدم بواقع الصراع المزمن في غزة.
