الاستاذة سمر الجبرة
بقلم الأستاذة سمر الجبرة
لا تقع جرائم القتل الأسري فجأة، ولا تُولد من فراغ. في الغالب، تسبقها سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تبدأ بعنفٍ صامت، وتستمر في ظل معرفةٍ غير متبوعة بفعل. ورغم أن الأردن يمتلك إطارًا تشريعيًا واضحًا للحماية من العنف الأسري، إلا أن هذه الجرائم تكشف فجوة مؤلمة بين وجود القانون وقدرته الفعلية على الوصول إلى الضحية قبل فوات الأوان، فالقصور إن لم يكن بالنص يكون للأسف في التطبيق.
ففي كثير من الحالات، لا تكون الضحية جاهلة بحقوقها، بل تعرفها، وتدرك خطورة ما تتعرض له، لكنها تُحاصر بعوامل تجعل اللجوء إلى الحماية مخاطرةً بحد ذاتها. الخوف من الانتقام، فقدان الأطفال، أو الانهيار الاقتصادي، إضافة إلى الضغط الاجتماعي الذي يطالبها بالصبر والتنازل، كلها أسباب تُبقي العنف داخل جدران المنزل، بعيدًا عن أي تدخل مؤسسي.
هذا الصمت، سواء كان ناتجًا عن جهل أو عجز، لا يحمي الضحية، بل يمنح المعتدي مساحة أكبر للتصعيد. فمع غياب المساءلة، يتحول العنف إلى سلوك متكرر، ويُعاد إنتاجه بوتيرة أشد، إلى أن يصل في بعض الحالات إلى أقصى درجاته وهو القتل الأسري. عندها، لا يكون السؤال لماذا وقعت الجريمة، بل لماذا لم يُكسر الصمت قبلها؟
من منظور حقوقي، فإن العنف غير المُبلّغ عنه يعيق عمل منظومة الحماية بأكملها؛ فهو يُضعف قدرة الجهات المختصة على التدخل المبكر، ويُبقي الجرائم خلف الجدران المغلقة بدلاً من التعامل معها كقضية عامة تتطلب الوقاية لا الاكتفاء بالعقاب بعد وقوع الفاجعة.
إن مواجهة القتل الأسري لا تبدأ عند الجريمة، بل منذ الاعتداء الأول ويتجلى ذلك عندما تتحول المعرفة بالحقوق إلى قدرة على استخدامها، وعندما يصبح طلب الحماية فعلًا آمنًا لا مغامرة. فالقانون موجود، لكن إن بقيت الضحية وحدها في لحظة القرار، سيبقى الصمت طريقًا مختصرًا إلى الجريمة.
لذلك فإن مجابهة هذه الظاهرة مسؤولية مجتمعية مشتركة تقع على عاتق الجميع كل بمكانه وبما يستطيع تقديمه سواء بالتوعية أو بالتمكين حتى نتمكن من الوصول إلى بيئة آمنة فعلياً تخلو من أي شكل من أشكال العنف مهما كانت درجته أو خطورته
