بلال العقايلة
بلال العقايلة يكتب
في عام 2019 عاد مسؤول أردني، كان قد أمضى سنوات طويلة يعمل في إحدى الدول الخليجية، حاملا معه تصورا مستندا إلى تجربة اقتصادية واجتماعية هناك، وسعى إلى نقلها ومحاولة تطبيقها في الواقع الأردني بطلب من الحكومة آنذاك، وتشارك معه في ذلك مسؤول آخر في مرجعية مهمة.
وبدأت حينها تتشكل ملامح مشروع يقوم على التقاعد القسري، وإحالة من أمضوا 25 عاما في الوظيفة الحكومية إلى الضمان الاجتماعي المبكر، باعتباره جزءا مما سمي وقتها ببرامج إعادة الهيكلة.
المثير للانتباه أن التطبيق العملي لهذا التوجه بدأ بموظفي المؤسسات الإعلامية الرسمية أنفسهم، ليتم التعامل معهم بوصفهم أولى الفئات التي ستخضع لإجراءات الإحالة إلى التقاعد المبكر.
وفي تلك الفترة، وكنت على رأس عملي في وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، عُقدت اجتماعات مع العاملين في سياق التمهيد لهذه الخطوة ومحاولة احتواء آثارها بالتزامن مع إرسال عشرات الملفات الوظيفية إلى رئاسة الوزراء بناء على طلبها.
وقد قوبلت هذه الإجراءات بالرفض من قبل الموظفين، الذين رأوا فيها خطوة تفتقر إلى البعد الإنساني والاجتماعي بل والأخلاقي، وتمثل عبئا قاسيا على شريحة كبيرة من الأسر. غير أن الرد الرسمي آنذاك كان حاسما في الموضوع وهو أن هذا قانون نافذ وسيطبق على الجميع.
ثم جاءت جائحة كورونا، لتجمد المشروع بالكامل وتدفنه مؤقتا. والمفارقة اللافتة أن عددا كبيرا من الزملاء الذين كانت ملفاتهم مرشحة للتقاعد القسري، تقاعدوا لاحقا في ظروف أفضل، وبرواتب تقاعدية أعلى نتيجة زيادات ومكافآت طرأت على رواتبهم بعد تلك المرحلة.
لكن ما إن انحسرت آثار الجائحة، حتى عادت موجة التقاعدات مجددا ولكن هذه المرة لمن أمضوا 30 عاما في الخدمة، تحت عنوان إتاحة فرص العمل للأجيال الجديدة.
واليوم تعود القضية إلى الواجهة بصيغة أكثر حساسية بل وإيلاما، مع مشروع قانون أرادوه محاولة لإنقاذ مؤسسة الضمان الاجتماعي.
غير أن الغضب يتصاعد بعد أن تولدت قناعات بأن ما يجري من معالجات قاسية هي انعكاس لتراكم سياسات فاشلة، شملت توسع المؤسسة في استثمارات ومساهمات في مشاريع متعثرة، الأمر الذي أثّر في استقرارها المالي.
ولذلك لا ينظر اليوم إلى هذا القانون باعتباره تعديلا إداريا عاديا، بل تحولا قد يمس الأمن الاجتماعي لآلاف الأسر الأردنية، ويضع مستقبل المشتركين أمام حالة من القلق و المتاعب النفسية والجسدية وفقدان الأمل.
إن إصلاح أي منظومة اجتماعية يجب أن يقوم على العدالة والتوازن والثقة، لا على تحميل المشتركين وحدهم كلفة الاختلالات المتراكمة. فالمعادلة الحقيقية ليست في إنقاذ الأرقام فقط وترميم الفشل، بل في حماية الإنسان الذي أنشئت هذه المؤسسات من أجله.
