
رندا حتاملة
إنجاز-رندا حتامله تكتب
في آخر الليل، حين ينسحب الضجيج من المدينة وتبقى البيوت وحيدة مع أسرارها، تشتعل غرفة صغيرة بنبضٍ لا يهدأ، هناك، تجلس أمّ على حافة سرير طفلها، وعيونها ذَبُلت من السهر تراقب جسداً يتحرك كأن داخله ريح لا تستقر، ينهض فجأة، يخطو بلا اتجاه، يلمس الأشياء ثم يتركها، كأنه يبحث عن شيء لا اسم له، تمد يدها نحوه، تحتضن كتفيه المرتجفين، تهمس له بصوتٍ مكسور، إهدأ أنا هنا.
لكن صوته يعلو، لا كغضبٍ، بل كنداءٍ تائه، كحرفٍ ضلّ طريقه إلى اللغة، تحدّق في عينيه طويلاً، تحاول أن تقرأ ما لا يُقال، وتهمس في داخلها،كيف لطفلٍ يفيض بالحياة أن يعجز عن قول أبسط احتياجاته،هذا ليس مشهداً عابراً، بل حياة كاملة تُعاش على حافة القلق، حين يكون الطفل على طيف التوحد، أو يحمل ملامح متلازمة داون، أو يسكنه شكلٌ من أشكال الإعاقة الجسدية أو العقلية، فتغدو الأيام أكثر كثافة، والليالي أطول مما ينبغي.
لغة من وجعٍ خفي في عالم هذا الطفل، لا تسير الأشياء كما نعرفها، الصوت قد يكون صاخباً حد الألم، والضوء جارحاً،واللمسة غريبة، لذلك، حين يعجز عن الاحتمال، لا يتكلم بل يتحرك، يركض، يدور، يرفرف بيديه، يصرخ أحياناً، أو يغرق في صمتٍ ثقيل، وكل ذلك ليس فوضى، بل لغة.
نوبة الغضب ليست تمرداً، بل استغاثة، الصوت العالي ليس إزعاجاً، بل محاولة للوجود، والهروب المفاجئ ليس عناداً، بل بحثٌ غريزي عن أمانٍ لا يعرف كيف يطلبه، الأم وحدها تتعلم هذه اللغة، تفك رموزها، وتربط إشاراتها، وتقرأ طفلها كما يُقرأ كتابٌ بلا حروف، فرط الحركة قلبٌ يركض دون وجهة
هو لا يهدأ، وكأن داخله نبضاً مضاعفاً، أو خوفاً لا يُرى،جسده يتحرك ليوازن ما اختلّ، ليهرب من ضجيجٍ داخلي لا يسمعه سواه، لكن هذا الركض المستمر يسرق من الأم سكونها، ويجعلها في حالة استعداد دائم، كجندي لا يُسمح له بإغلاق عينيه، تخاف عليه من الزوايا الحادة، من الأبواب المفتوحة، من الشارع الذي لا يرحم، وتخاف من لحظة غفلة، من ثانيةٍ واحدة قد تغيّر كل شيء.
نعم الخوف الحكاية التي لا تُروى
أثقل ما تحمله الأم ليس التعب، بل الخوف، خوفٌ يتسلل إلى تفاصيل يومها، ويجلس معها في كل زاوية، تخاف أن يتألم طفلها ولا يستطيع أن يقول أنا أتألم
أن يجوع ولا يعرف كيف يطلب الطعام، أن يثق بمن لا يُؤتمن، لأنه لا يرى العالم كما نراه، هذا الخوف لا يُقال، لكنه يُعاش في نبضٍ متسارع، وفي عينٍ لا تنام.
والأب حين يكون الصمت شكلاً آخر من الحب، وفي زاوية أقل ضوءاً، يقف الأب، لا يبكي كثيراً، ولا يتكلم طويلاً، لكنه يحمل وجعه بطريقة أخرى، يخرج كل صباح مثقلاً بأسئلة لا يملك لها جواباً، ويعود مساءً ليجد معركة لم تنتهِ، يحمل طفله حين يتعب، يصلح ما انكسر، يساند الأم بصمتٍ يشبه الدعاء وقد يختبئ خلف هدوئه ولامُبالاته ألمٌ عميق، وشعور بالعجز لا يعترف به،هو لا يصرخ، لكنه ينكسر بصمت، ولا ينهار، لكنه يتآكل من الداخل،
بينه وبين الأم، تتشكل شراكة من نوعٍ مختلف، هي تقرأ التفاصيل، وهو يحمي المساحة، هي تفسّر العالم لطفلها، وهو يحاول أن يجعل العالم أقل قسوة عليه.
أمومة وأبوة، خارج المقاييس
قد تختلف الأسماء توحد، متلازمة داون، إعاقة لكن الحقيقة واحدة في نهاية اليوم، حين يهدأ الجسد أخيراً، وتخفت الأصوات، تجلس الأم في صمتٍ قصير، تراجع يومها كأنها نجت من معركة طويلة،لا أحد يرى هذا الجهد الكامل، ولا يُقاس هذا الحب بمقياسٍ عادي، هذه ليست أمومة عادية،بل شكلٌ أعمق من الصبر،وأقرب ما يكون إلى البطولة الصامتةفي عيد الأم، ربما لا تحتاج هذه الأم إلى وردة،
بل إلى فهم إلى يدٍ تمتد لا لتُشفق، بل لتساند،وإلى مجتمعٍ يدرك أن خلف كل طفلٍ مختلف،
أمّ تقف وحدهاوتصمد.
وداخل البيت، تتحول الحياة إلى تفاصيل مرهقة للعائلة أجمع و لا تنتهي، عبء نفسي واقتصادي
و تتضاعف الأعباء، كلفة جلسات التأهيل، والمتابعة الطبية، والبرامج الخاصة، تُثقل كاهل الأسر، خصوصاً مع محدودية الدخل، و التنقل بين المراكز، والانتظار الطويل، وغياب البنية التحتية الملائمة، كلها تفاصيل تُرهق الوقت والمال معاً.
أما التعليم، فيكشف فجوة أكثر إيلاماً، برامج الدمج ما تزال محدودة، والبيئات المدرسية غير مهيأة بما يكفي لاستيعاب الأطفال من ذوي الإعاقة، سواء كانوا من المصابين بالتوحد أو متلازمة داون او الإعاقة الجسدية و بين الرفض الصريح أو التهميش غير المعلن، يجد الطفل نفسه على هامش التجربة التعليمية، فيما تُدفع الأسرة نحو خيارات مكلفة أو تنازلات قاسية.
في يوم الأم تحيةُ إجلالٍ وإكبار لكل أمٍ إختارها الله لتحمل أمانة ابن من ذوي الإعاقة، وتحيةُ إجلالٍ لكل أسرة تعي كيف تعبر بابنٍ مصاب إلى بَرِ الأمان.
