
عبدالله بني عيسى
عبدالله بني عيسى يكتب ..
بنتي الصغيرة، ذات الخمسة عشر عاماً، أراها – بلا مبالغة – رمزاً نادراً للنقاء، لفطرة سليمة تماماً. كانت أحداث غزة أول زلزال وجداني يهزّ وعيها الطري؛ غضبت، تعاطفت، وحزنت بعمق كما يحزن من لم يتعلم بعد كيف يهادن القبح.
آرائي الواقعية – الباردة أحياناً – لم تكن تعجبها، بل كانت تستفزها وتغضبها، ولم أكن أضيق بذلك. بالعكس، كنت أحبه فيها. أحب هذا الرفض الصافي لطفلة لم تكتشف بعد حجم التشوّه الأخلاقي في السياسة، ولا مقدار النفاق الذي يحكم عالمنا، خصوصاً في مجتمعاتنا.
المهم، منذ الأمس وهي مصدومة من الشماتة. من سيل التعليقات على وسائل التواصل، من “عرب” يحتفلون بالشظايا وهي تتساقط على الأردن، يباركون الأذى، ويصفقون للخطر. سألتني: «ليش بكرهونا؟ إحنا شو عملنا فيهم؟»
سؤالها كان أصعب من أن يُجاب. لأن إجابته تحتاج صدقاً قاسياً، ومباشرة جارحة، وصراحة قد تجرح الطفولة. كيف تشرح لطفلة أن مجتمعات كاملة مثقلة بالتخلّف، والعنف، والتشوهات النفسية والأخلاقية، مجتمعات لا تترك للمنطق موطئ قدم، ولا للأخلاق معنى، مجتمعات مخطوفة – حرفياً – من تجّار الكذب، وسماسرة التضليل، وأبطال العنتريات الفارغة؟
قلت لها فقط: هذه بلادكِ… تشبه دحنونها وشيحها في الجمال والرائحة، لكنها تشبه كذلك حجارتها ونار غضاها في البأس والصلابة.
بلاد جميلة لمن يراها بعين المحبة، واسعة تتسع للمتعافين من الكراهية، للأنقياء، للأسوياء.
أما الكارهون، فدعيهم. هؤلاء أسرى أحقادهم، محكومون بأمراضهم، ولن يخرجوا يوماً من سجونها ومن قبحهم.
