حليمة صومعي
حليمة صومعي تكتب ..
لم يعد الأمر يتعلق بـ“بعض” الممارسات المعزولة، بل بحضور منابر إعلامية إلى لقاءات واجتماعات وهي في حالة “دار غفلون”، تكتفي بما يُعرض أمامها، ولا تسعى إلى ما يُدار خلف الستار. تحضر الجلسة، تُدوّن ما قيل، تلتقط الصور الرسمية، وتنقل التصريحات كما وردت، ثم تغادر باعتقاد أنها أنجزت مهمتها كاملة.
لكن هل الحضور يكفي؟
أن تكون الصحافة حاضرة في القاعة لا يعني أنها حاضرة في الحقيقة. فالكواليس ليست تفصيلاً هامشيًا، بل في كثير من الأحيان هي التي تفسر المشهد كله. ما يُقال على المنصة قد يكون صيغة نهائية مُعدّة بعناية، بينما ما يُتداول خارج الأضواء هو الذي يكشف السياق، التوافقات، الخلافات، وأحيانًا التنازلات.
المشكلة ليست في نقل الوقائع، بل في الاكتفاء بها دون مساءلة. حين تتحول التغطية إلى إعادة صياغة بلاغات، يصبح العمل الصحفي أقرب إلى عملية توثيق رسمي لا إلى ممارسة رقابية. وهنا تتشكل مسرحيات مفبركة بإخراج محكم، يعيش فيها المتلقي منسجمًا مع وقائع خيالية أو منقوصة، لأنه لم يُمنح فرصة الاطلاع على الصورة كاملة.
الصحافة ليست مقعدًا في الصف الأمامي، بل مسؤولية بحث خلف الستار. ليست ميكروفونًا يُمرَّر بين المتحدثين، بل عينًا ناقدة تطرح الأسئلة التي قد لا يرغب البعض في سماعها. أما حين تكتفي المنابر بدور المتلقي داخل الحدث، دون أن تتحول إلى فاعل يسائل ويُحلل، فإنها تساهم – ولو دون قصد – في صناعة واقع مصقول يخفي ما تحته من تعقيدات.
إن حضور المنابر للقاءات دون معرفة الكواليس يُنتج خطابًا أحاديًا، ويجعل الرأي العام رهين زاوية واحدة. ومع تكرار هذا النمط، يصبح المتفرج معتادًا على الواجهة، غافلًا عما يُحاك في الخلف، مقتنعًا بأن ما يراه هو كل ما يوجد.
الصحافة التي لا تخرج من دار غفلون، تبقى أسيرة ما يُقدَّم لها. أما الصحافة التي تبحث، تتقصّى، وتستمع لما وراء الكلمات، فهي وحدها القادرة على نقل واقعٍ حيّ، لا مسرحية مُحكمة الإخراج.
لأن الحقيقة لا تسكن المنصة وحدها… بل كثيرًا ما تختبئ في الكواليس.
