محمود الفطافطة
كتب محمود الفطافطة
شهدت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي موجة انتقادات واسعة، وصلت في بعض الخطابات إلى حد شيطنة المؤسسة، دون قراءة موضوعية متأنية لمضمون التعديلات الأخيرة التي أعلنتها الحكومة، والتي تضمنت جوانب إيجابية تسهم في معالجة جزء من الإشكاليات المطروحة وتخفيف الأعباء عن المشتركين. أي تشريع اقتصادي أو اجتماعي بطبيعته قابل للنقاش والمراجعة، وهذه وظيفة أصيلة للمجلس التشريعي بوصفه ممثلًا لإرادة الشعب وصاحب الصلاحية في دراسة مشروع القانون وإدخال ما يراه مناسبًا من تعديلات تحقق المصلحة العامة وتراعي أوضاع المواطنين. هذه الآلية بحد ذاتها ضمانة كافية لتصويب أي خلل ومعالجة أي ملاحظات بروح مؤسسية مسؤولة. وسائل التواصل الاجتماعي ليست أصل المشكلة، فهي تعكس آراء الشارع وتفاعلاته. غير أن الإشكالية الحقيقية برزت في الأداء الإعلامي الرسمي، سواء في مؤسسة الضمان الاجتماعي أو في وزارة العمل، حيث ظهر قصور واضح في إدارة الملف وشرح التعديلات للرأي العام قبل طرحها، ما أفسح المجال لتفسيرات متباينة وحالة من التحشيد غير المنضبط. إدارة الإعلام لا تعني إصدار بيانات أو نشر أخبار فحسب، بل تقوم على التخطيط الاستراتيجي المسبق وقراءة ردود الفعل المتوقعة وصياغة خطاب واضح يستبق الجدل ولا يتأخر عنه. وهناك فرق جوهري بين إعلامي يجيد الكتابة أو التقديم، وبين إدارة إعلام تمتلك رؤية شاملة وخطة اتصال مدروسة تحدد الرسائل والتوقيت والأدوات المناسبة لإيصالها. وعند الاستعانة بخبير إعلامي، ينبغي أن يكون مختصًا في إدارة الاتصال الاستراتيجي وصناعة الرسائل، لا مجرد كاتب أو مذيع أو عامل في مؤسسة إعلامية؛ فلكل من هؤلاء دور مهني مختلف، بينما إدارة الإعلام علم قائم بذاته يتطلب خبرة تحليلية وتخطيطية عميقة. ومثال ذلك، ما شهدته إدارة الإعلام في الديوان الملكي من نقلة نوعية واضحة في منهجية الخطاب والتواصل خلال الفترة الماضية، وهو ما يعكس أثر الإدارة المهنية عندما تتوافر الرؤية والاستراتيجية. إن ما حدث يكشف خللًا في إدارة الرسالة أكثر مما يكشف خللًا في جوهر التعديلات نفسها. المطلوب اليوم مراجعة جادة لآليات الاتصال المؤسسي، وإشراك مختصين في إدارة الإعلام قبل طرح أي تشريع، لضمان إيصال الرسالة بوضوح وتعزيز الثقة ومنع الفراغ الذي يملؤه التأويل والتحشيد. تبقى مؤسسة الضمان الاجتماعي سياجًا اجتماعيًا وطنيًا مهمًا، وما حدث كان نتيجة خلل في إدارة الرسالة لا في القانون المقترح، خاصة بعد التعديلات التي أعلنت عنها الحكومة. وإن شيطنتها تضر مباشرةً بنسيج المجتمع، لذلك فإن المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين للحفاظ على هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة وصون مكانتها وتعزيز الثقة بها باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الوطن.
