
الكاتب احمد القضاه
الطريق إلى التصحر وفقدان الحياة البرية
أحمد القضاه يكتب
في عجلون الخضراء، لا يُقطعُ جذعُ شجرةٍ فقط، بل يُغتالُ ظلٌّ كان يؤوي العابرين .
في عجلون الخضراء لا يقطع جذع شجرة فقط، بل تغيرت ملامحها الجميلة .
هل سيأتي حين من الدهر ينبغي فيه على زائر جرش وعجلون، أن يحمل مظلة تظلّه من الشمس بعد أن تغيب أشجارنا ؟؟
قبل عدة سنوات، كنتُ أقول إن ذلك الحين لربما سيتأخر، ولكن المشاهد الحالية والمظاهر تؤكّد أنه أقرب مما نتصور، وأنه لن يبقى من غاباتنا سوى بقايا جذوع ترتفع بقدر شبر ونصف فوق يابس الأرض تقول: هنا كان شجر وارف الظلال أخضر.
فاليوم سيكون عليك أن تحمل قلباً من حجر؛ لتتمكن من عبور غاباتنا دون أن تتفجّر حزنا وقهرا، على ما ستراه من جرائم تطهير عرقي منظمة ضد أشجار السنديان والملول والبطم والقيقب. وسيكون عليك أن تتساءل بحرقة: كيف ولماذا وصلنا إلى هذا الحد؟ لماذا لم نوقف هذه المجازر؟ ولماذا تركنا المجرمين يسيدون ويميدون؟.
هذه جرائم مستمرة، بل وتزداد شراسة وتوسعاً يوماً إثر يوم، وقد بدأت تأخذ طابع العمل التنظيمي، الذي وجد سبيلا للربح السهل الفاحش بالإعتداء على الغابات في ظل رخاوة القوانين، وغياب الإرادة الحقيقية لوقفهم والضرب على أياديهم.
🌱 نهى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن قطع الأشجار، حتى في وقت الحرب، وأمر بحمايتها، وأثنى على غرسها، حيث قال: «ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة ولا تهدموا بناء» عند إرسال الجيوش، وحث على غرسها حتى في قيام الساعة، لما فيها من منفعة للناس والطير، مع التأكيد على حرمة قطع الأشجار عمومًا لما لها من أثر إيجابي على البيئة والمجتمع.
مع بالغ الأسف، فالبعض منا يقعُ في مغالطة كبيرة حين يعتقد أن من يجزّون الأشجار فقراء معوزون من أجل التدفئة، ولكنك حين تتحرّى في الأمر؛ ستعرف أن من يرتكب هذه الأفعال هم عصابات لديهم من يساندهم بالتغاضي عنهم وحمايتهم، وغض الطرف عن متابعتهم وملاحقتهم.
قبل أسبوع قُبض على مركبتين محملتين بأطنان من الحطب في عجلون هذه الشاحنة وما تحمله لا تمثل إلا غيضا من فيض. فكم من شاحنة مرت وعبرت دون أن يكتشف أمرها.
عصابات تقطع الأشجار والقصد التجارة،
وإلى اين تصرف تلك الأشجار التي تقطع كل يوم في غاباتنا في أشتفينا وراسون و عنجرة وعجلون وكفرنجة ؟؟
يكفيك أن تأخذ جولة في غابات أشتفينا لتعرف حجم الكارثة ومدى فداحتها.
وهنا جوهر القضية وبيضة قبانها، إذ لا يوجد رادع حقيقي يكسر شوكة هؤلاء المجرمين، ولا قوانين قادرة بحق على إيقافهم.
نحن بلد أقل من الواحد بالمائة من مساحته غابات. ولا نزرع بالشكل المطلوب مع الأسف، فالشجرة التي عمرها ألف سنة تُقطع بدقائق بمناشيرهم المجنزرة، ومواتيرهم. وهنا أيضاً يجب أن نقف ونتأمل، أن في الطلب على أحطاب السنديان والملول وفرنا بيئة خصبة ومناسبة لتجارة أولئك المجرمين.
مع تقديري واحترامي لجهود وزارة الزراعة ونواياها الطيبة، إلا أنني أجدّد اليوم إطلاق صرختي بوجوب أن تناط مهمة حماية الغابات، على الأقل في هذا الوقت العصيب بقواتنا المسلحة، فهي القادرة على إيقاف هذه الجرائم. وأطالب باستخدام الطائرات المسيرة لمراقبة الغابات، مع ضرورة مراجعة القوانين الناظمة لحماية ما تبقى من غاباتنا.
هذا الجذع المبتور كان يومًا شجرةً تحرس التراب، وتشرب الغيم، وتعلّمنا معنى الصبر.
سقطت بلا ذنب، سوى أن الفأس كان أقسى من الضمير، وأن الطمع سبق الرحمة.
عجلون ليست حطبًا للتدفئة، ولا غنيمةً لليلٍ بلا شهود.
هي رئةُ الأردن، ذاكرةُ المطر، وأمانةٌ في أعناقنا.
ومن يقطع شجرها اليوم، يقطع غدَ أبنائنا، ويترك الجبال عاريةً أمام الجفاف والتصحّر .
