
الدكتور زهير الطاهات
بقلم الدكتور زهير طاهات
ثمة رجالٌ يولدون وفي أعناقهم أمانة التاريخ ومسؤولية السَّلَف، لكنهم يأنفون إلا أن يحملوا عبء المستقبل قبل أن يستبدَّ بهم المنصب، ويشرعوا في صياغة الغد قبل أن يمتلكهم البرتوكول. ومن بين هؤلاء الأباة، يسطع نجم صاحب السمو الملكي، الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، بوصفه أنموذجاً فذّاً للقائد الشاب الذي لم ينظر إلى ولاية العهد بوصفها امتيازاً مَلكياً أو إرثاً تشريفياً، بل اتخذها تكليفاً وطنياً مقدساً، ورسالةً يوميةً نابضةً بالعمل، عنوانها الأوحد: “الإنسان الأردني”، وغايتها الأسمى: بناء دولة حديثة تستثمر في العقول قبل الحقول، وتجعل من وعي أبنائها الحصن الحصين.
إنها لمهمة دقيقة أن ترسم ملامح شخصية فذة، تعانق فيها الصرامة والانضباط العسكري سِعة الأفق والهدوء السياسي، وتتمازج فيها حيوية الشباب المتدفق بعمق الرؤية الاستشرافية. فالأمير الحسين لا يعيش مأسوراً في هالة المراسيم، بل تجده قريباً من النبض الحيّ للشارع، يطرق أبواب الجامعات بحفاوة الأستاذ والصديق، ويزور المصانع بهمة الباني، ويجلس بين الطلبة متخففاً من الألقاب، ويحاور الخبراء بعقلٍ متوقد؛ يصغي أكثر مما يتكلم، ويستمع أكثر مما يلقي، يقينه في ذلك أن صناعة الغد لا تبدأ بالخطب الرنانة، بل بالإصغاء الواعي لخلجات قلوب الناس وهواجسهم.
ومنذ أن طوَّقه جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم بمسؤولية ولاية العهد، بدا جلياً للأعيان أن الأمير الشاب ينهج نهج أبيه المظفر، ويسير على خطى العترة الهاشمية، ولكن بخطوات واثقة تخطُّ بصمتها الخاصة وتوقيعها المتميز. لقد آمن سموه إيماناً لا يتطرق إليه الشك بأن تشييد صرح الأردن لا يقوم على بريق الشعارات، بل عبر الاستثمار الحقيقي والعميق في الإنسان، وبأن “الشباب” ليسوا مجرد مرحلة عمرية عابرة في تقويم الزمن، بل هم القوة الضاربة التي تحمل على أكتافها الفتية حاضر الوطن، وتركب متن الصعاب لصياغة مستقبله.
ومن هذا المنطلق، لم يكن التفات سموه للشباب ترفاً سياسياً مجرداً، ولا ديباجة في خطاب إعلامي عابر، بل استحال مشروعاً وطنياً متكاملاً، قوامُه الثقة، وركيزتُه التمكين، ومبتغاه صناعة الفرص. إن سموه يرى في كل شاب أردني مشروع قائد، وفي كل فتاة بذرة ابتكار تشق ثرى الإبداع، وفي كل فكرة صادقة لبنة جديدة لرفعة هذا الحِمى. ومن مشكاة هذه الرؤية انطلقت مبادراته الملكية، التي لم تقف عند حد حث الشباب على المشاركة الصورية، بل دفعت بهم دفعاً ليمارسوا المواطنة الفاعلة في أبهى صورها، وليتحملوا أمانة المسؤولية، وينخرطوا بوعي في خدمة مجتمعاتهم المحلية.
ولعل الخصلة الأكثر إشراقاً في فكر ولي العهد، هي رؤيته للتعليم؛ إذ لا ينظر إليه بوصفه مجرد قاعات درس وشهادات تُعلّق، بل يراه “المصنع السيادي” والرحم الحقيقي للنهضة الوطنية الشاملة. ومن هنا، انصبّ انشغاله الفكري بمسار تطوير التعليم، والتركيز على التدريب التقني والمهني، وجسر الهوة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل، بغية صياغة جيل يمتلك أدوات ومهارات المستقبل، ويمتاز بالقدرة على التنافسية العالية في فضاء الاقتصاد المعرفي العالمي، دون أن ينسلخ قيد أنملة عن اصالته الوطنية وهويته العربية الراسخة.
وتجسيداً لهذا الإيمان الحي، ولدت مؤسسات ومبادرات مباركة، غدت اليوم منارات هادية وعلامات مضيئة في مسيرة تمكين جيل الغد؛ فمن “مؤسسة ولي العهد” الحاضنة للإبداع، إلى “جامعة الحسين التقنية” التي تمثل ثورة في التعليم التطبيقي، مروراً ببرامج القيادة المتقدمة، ومبادرة “حقق” الصاقلة للمواهب، ومشروع “42 الأردن” الذي يواكب الثورة الرقمية، وغيرها من المبادرات النوعية التي لم تكن يوماً ردود أفعالٍ آنية، بل رؤى استشرافية عميقة توقن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحاً، والأعظم استدامة، والأبقى أثراً.
ولا ينتهي دور سموه عند إطلاق هذه المشاريع الكبرى، بل إنه يتابع دقائقها وتفاصيلها بنفسه متابعة الحريص، فيتحرك ميدانياً لزيارة مواقع التنفيذ، ويتحاور مع الشباب مواجهةً بلا حواجز، ويستمع لآرائهم وملاحظاتهم، في مشهد بليغ يؤكد أن القيادة الحقيقية لديه لا تُدار من وراء المكاتب المغلقة، بل تُصنع في أتون الميدان، حيث تولد الأحلام الكبرى وتصقل الأفكار الملهمة.
وفي ثنايا هذه الشخصية المهيبة، يبرز ملمح إنسانيّ عذب؛ فسموه، ورغم ثقل المسؤوليات وجسامة الأعباء التي ينوء بها كاهله، يحتفظ بروح الشباب المتوثبة واهتماماتهم الحيوية؛ يمارس الرياضة بشغف، ويتابع المنافسات بوعي، ويؤمن بأن القائد القريب من جيله هو الأقدر على فك رموز طموحاتهم وتفكيك شيفرة تحدياتهم. ولعل هذا هو السر الدفين الذي يجعل الشباب الأردني يرى في سموه مرآةً صادقة لتطلعاتهم، لا مجرد مسؤول رفيع يتحدث نيابة عنهم.
إن المتأمل الحصيف في مسيرة ولي العهد يدرك أن مشروعه التاريخي لا يقتصر على تمكين فئة الشباب فحسب، بل يتعدى ذلك إلى إعادة صياغة وبناء ثقافة الثقة والجسور المتينة بينهم وبين مؤسسات الدولة، وترسيخ عقيدة وطنية مفادها: أن هذا الوطن يتسع لكل مبدع ومخلص، وأن المستقبل الواعد يصنعه العلم، ويزكيه العمل، ويقوده الابتكار، لا الانتظار.
وفي كنف الرؤية الإصلاحية الشاملة التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم بثبات، يبرز دور سمو ولي عهده الأمين كامتداد طبيعي وصيرورة حتمية لهذا المشروع الوطني العظيم. فهو يترجم الرؤى الملكية السامية إلى مبادرات حية على الأرض، ويحوّل الأفكار النظرية إلى مؤسسات قائمة، ويقرن الطموحات بالإنجازات الفذة. إنه يتحرك بعقل الدولة المتزن، وينبض بقلب الشاب الطامح، متسلحاً بإيمان راسخ بأن الأردن لا يرتفع بنيانه إلا بسواعد أبنائه وعقولهم المبدعة.
هكذا يتجلى الأمير الحسين بن عبد الله الثاني… ليس مجرد وليّ عهدٍ يرقب المستقبل من بعيد، بل قائداً يصنع ملامح الغد ويخطّ فصوله منذ اليوم. يمضي بركاب الوطن بخطى واثقة يملؤها العزم، حاملاً رسالة الهاشميين الخالدة، ومؤمناً بأن الأمم التي تستثمر في شبابها، وتصون منارة العلم، وتشرع أبواب الفرص، هي الأمم الجديرة بأن تكتب تاريخها بمداد من نور وتصنع غدها باقتدار. وفي هذا الإيمان المطلق، تتجلى أبهى ملامح شخصية فذة، اختارت بكبرياء وطني أن يكون لقبها الأجمل والأقرب للقلوب: ولي عهدٍ يحمل حلم وطن، ويوقن بأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب، والمعين الذي لا يجف.
