
هيام الكركي
لم يعد ما يحدث في عالم الاعلام مجرد تطور تقني عابر، بل تحول حقيقي يشبه الموجة الهادئة التي تهز كل شيء من دون ضجيج. وفجأة نجد انفسنا نسأل كيف استطاعت آلة ان تكتب خبرا، او تلخص مقابلة، او تقترح عنوانا بدقة مذهلة؟ سؤال لم يكن يخطر في بال احد قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم جزء من واقع نراه يوميا.
هذا الواقع لم يأت من فراغ. فكما تحول الهاتف من جهاز مكالمات الى مساحة كاملة لحياتنا، تحول الاعلام ايضا من جهد يدوي كامل الى شراكة بين الانسان والتقنية.
الصحفي الذي كان يقضي ساعات على الآلة الكاتبة، ثم على الحاسوب، ثم على الانترنت، وجد اليوم نفسه امام مرحلة جديدة تماما: مرحلة الذكاء الاصطناعي. مرحلة تدفعه للتفكير، لا بالخوف من البديل، بل بطريقة الاستفادة من هذه القوة الجديدة.
وفي خضم هذا التغيير، يبرز سؤال مهم داخل كل غرفة اخبار: هل الذكاء الاصطناعي منافس ام مساعد؟
وعندما نقترب من الإجابة نجد ان الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الصحفي، بل يأخذ بيده بعيدا عن الاعمال المملة التي تستهلك وقته، ويمنحه مساحة اكبر ليكون انسانا اكثر، وكاتبا اكثر، وصوتا اقرب للقارئ.
فالآلة قد تلخص، وقد ترتب، وقد تقارن، لكنها لا تعرف كيف تشعر. لا تستطيع ان تلتقط رائحة المكان، ولا نبض الناس، ولا وجع الحكاية التي يرويها شخص عاش تجربة صعبة. وهنا يظهر معنى السؤال الحقيقي: ما الذي يميز الانسان عن الآلة في الاعلام؟
الجواب بسيط: الروح، فهي شيء لا يمكن برمجته مهما تطورت التقنيات.
وفي الوقت نفسه، يقدم الذكاء الاصطناعي دعما كبيرا للمؤسسات الاعلامية. فهو يعرف مثلا ماذا يريد الجمهور قبل ان يطلب. وعندما يدخل القارئ الى موقع صحيفة، تتعرف الخوارزميات على اهتماماته وتقدم له محتوى اقرب لذوقه، تماما كما يفعل يوتيوب او نتفليكس.
وهذا يفتح سؤالا جديدا: هل هذا الامر جيد؟
نعم، اذا كان الهدف هو الوصول للقارئ بسرعة وذكاء. لكنه يصبح خطرا اذا استسلم الاعلام تماما لهذه الخوارزميات وتركها تقرر وحدها.
ولان لكل قوة جانبها الآخر، تظهر المخاوف المتزايدة من خطر التزييف.
اليوم يمكن لشخص غير محترف ان يصنع فيديو يبدو حقيقيا تماما، لشخص يقول شيئا لم يقله. وهنا يصبح السؤال الأخطر: كيف نحمي الحقيقة؟
والجواب يأتي من الاعلام نفسه.
المؤسسات المهنية تصبح خط الدفاع الاول ضد الفوضى الرقمية.
ومصداقية الصحفي تصبح اهم من اي وقت مضى.
ومن جهه اخرى كيف يستطيع شاب في غرفته انتاج فيديو احترافي ينافس مؤسسات اعلامية كبيرة؟
الجواب ان الادوات اصبحت متاحة للجميع، لكن الثقة لا تُمنح بسهولة، وهي تبقى سلاح المؤسسات الرصينة.
وفي داخل غرف الاخبار يدور سؤال ثابت: هل ستختفي الوظائف؟
الحقيقة ان بعض الوظائف الروتينية ستختفي، لكن وظائف جديدة ستظهر، مثل محرر البيانات ومنسق كشف التزييف ومحلل التفاعل.
الاعلام لا يموت، بل يعيد تشكيل نفسه.
ومع كل هذا، يبقى السؤال الأهم: ماذا يجب ان نفعل الآن؟
كيف نستعد لعصر الذكاء الاصطناعي من دون خوف ومن دون مبالغة؟
الخطوة الاولى هي تدريب العاملين. فالخوف دائما يأتي من الجهل، وعندما يفهم الصحفي الادوات الجديدة، يتحول الخوف الى قوة.
والخطوة الثانية هي انشاء وحدات صغيرة داخل المؤسسات تتخصص في تحليل البيانات وتطوير المحتوى ورصد التزييف.
اما الخطوة الثالثة فهي التوجه نحو الاعلام المتنوع: موقع، فيديو، بودكاست، اذاعة، سوشال ميديا.
لان الجمهور أصبح متنوعا، والمحتوى يجب ان يلحق به.
ويبقى اهم ما يمكن فعله هو التركيز على الصحافة التحليلية والانسانية.
فالذكاء الاصطناعي قد يكتب خبرا، لكنه لا يمكن ان يفهم معنى قصة انسانية، ولا يستطيع ان يقدم تحليلا عميقا يحمل بصمة انسان عاش التجربة ورأى التفاصيل بعينه.
وفي النهاية، الذكاء الاصطناعي لن يلغي الاعلام التقليدي، لكنه بالتأكيد سيعيد ترتيب المشهد.
المؤسسات التي تتعلم وتتطور ستقود المستقبل، والتي تتراجع او تخاف ستختفي مع الوقت.
ليس السؤال: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بل السؤال: كيف سنستخدمه؟
وهنا يبدأ الفرق بين من يقف متفرجا وبين من يقود المرحلة القادمة..
