الدكتورة ناديا نصير
الاستقلال ليس تاريخًا… بل هوية وطن
بقلم د. ناديا محمد نصير
أخصائية العلاج النفسي
في الخامس والعشرين من أيار، لا يحتفل الأردنيون بذكرى عابرة في التقويم، بل يستحضرون حكاية وطنٍ كُتب بالحكمة قبل السلاح، وبالكرامة قبل الشعارات. يوم الاستقلال في الأردن ليس مجرد خروج مستعمر، بل ولادة دولة آمنت منذ اللحظة الأولى أن الإنسان هو أعظم ما تملك الأوطان، وأن الكرامة الوطنية لا تُقاس بحجم الأرض فقط، بل بقدرتها على حماية شعبها وصون عزّته.
منذ أن رفع الأردنيون علمهم الحر عام 1946، بدأت رحلة بناء استثنائية لدولة صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في الموقف والهيبة والاتزان. دولة لم تتكئ يومًا على الضجيج، بل على العقل والحكمة والإنسان. ولهذا بقي الأردن، رغم كل العواصف الإقليمية، واقفًا بثبات يشبه الجبال التي تحيطه؛ هادئًا حين يضجّ الآخرون، وقويًا حين تتكسر من حوله الدول.
الاستقلال الحقيقي لا يعني فقط التحرر من الاحتلال، بل التحرر من الخوف، ومن الفوضى، ومن ضياع الهوية. والأردن استطاع عبر عقود أن يصنع نموذجًا فريدًا في المنطقة؛ نموذج الدولة التي تحمي إنسانها، وتفتح أبوابها للمحتاج، وتحافظ في الوقت ذاته على أمنها وهيبتها ومؤسساتها. وهذا ليس أمرًا عابرًا، بل نتيجة قيادة هاشمية آمنت أن الحكم مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سلطة.
وحين يُذكر الاستقلال، يُذكر الهاشميون الذين حملوا مشروع الدولة بوعيٍ تاريخي وإنساني عميق. فمن الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، بقيت الرسالة ذاتها: الأردن أولًا… والإنسان دائمًا في قلب المعادلة. ولذلك لم يكن الأردن يومًا دولة ردود أفعال، بل دولة موقف، تعرف متى تتحدث، وكيف تحمي شعبها، وكيف تبقى متماسكة وسط منطقة أنهكتها الحروب والانقسامات.
ويحمل جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم هذا الإرث بثبات القائد الذي يفهم شعبه جيدًا. فالعلاقة بين الأردنيين وقيادتهم لم تُبنَ على الخوف، بل على الثقة والانتماء والشعور العميق بأن هذا الوطن يشبه أهله. وفي كل أزمة مرّ بها الأردن، كان الملك حاضرًا بين الناس، قريبًا من تفاصيلهم، مدركًا أن قوة الدولة الحقيقية تبدأ من شعور المواطن بالأمان.
أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فقد استطاع أن يكون صورة الجيل الأردني الجديد؛ طموحًا، قريبًا من الشباب، مؤمنًا بأن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع. ولهذا يشعر كثير من الأردنيين أن الاستقلال اليوم لا يُحافظ عليه فقط، بل يُعاد تعريفه بطريقة عصرية تُشبه أحلام الشباب الأردني وقدرتهم على التغيير والإنجاز.
ولا يمكن الحديث عن استقلال الأردن دون التوقف أمام المرأة الأردنية، التي لم تكن يومًا على هامش الوطن، بل كانت دائمًا شريكة في بنائه وصموده. ومع حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله، أصبحت صورة المرأة الأردنية أكثر إشراقًا عالميًا؛ امرأة قوية، مثقفة، واعية، تحمل رسالة إنسانية وتعليمية واجتماعية تعكس الوجه الحضاري للأردن.
الاستقلال أيضًا شعور نفسي عميق بالأمان والانتماء. فالوطن المستقر ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل مساحة نفسية نشعر فيها أننا محميون، وأن لنا جذورًا وهوية وصوتًا. ولهذا، حين ينظر الأردني إلى علم بلاده، لا يرى قطعة قماش ترفرف في السماء، بل يرى ذاكرة كاملة من التضحية والكرامة والبيوت الآمنة وأصوات الجنود على الحدود وقلوب الأمهات التي تنام مطمئنة لأن هناك وطنًا يحرسها.
وفي زمن تتغير فيه الخرائط سريعًا، يبقى الأردن حالة خاصة؛ وطنًا يعرف كيف يحافظ على توازنه دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يبقى قويًا دون أن يتخلى عن أخلاقه. وهذا هو المعنى الحقيقي للاستقلال: أن تبقى واقفًا، عزيزًا، حرّ القرار، مهما اشتدت العواصف.
كل عام والأردن بخير…
كل عام ورايته أعلى من الخوف، وأقوى من التعب، وأقرب إلى القلب من أي وطن آخر.
وكل عام والهاشميون يحملون هذا الوطن بحكمة الملوك، ومحبة الآباء، ووفاء من يعرف أن الأردن ليس مجرد دولة… بل قصة كرامة لا تنتهي.
