
د. محمد عساف السلامات /أستاذ القانون الخاص – جامعة عمّان العربية
أولًا: مدخل عام
تُعد جريمة الاتجار بالبشر من أخطر الجرائم المستحدثة نسبيًا في السياسة الجنائية المعاصرة، لما تنطوي عليه من اعتداء جسيم على كرامة الإنسان وحريته، واستغلاله بوسائل غير مشروعة لتحقيق مكاسب مادية أو غير مادية. وقد أولى المشرّع الأردني هذه الجريمة اهتمامًا خاصًا من خلال إصدار قانون منع الاتجار بالبشر، انسجامًا مع الالتزامات الدولية للمملكة، ولا سيما بروتوكول باليرمو.
ومن بين الإشكاليات القانونية الدقيقة التي تثيرها هذه الجريمة مسألة موافقة الضحية، ومدى تأثيرها على قيام المسؤولية الجزائية للجاني، خاصة في الحالات التي يبدو فيها أن الضحية قد أبدت قبولًا أوليًا أو لاحقًا لأفعال الاستغلال.
ثانيًا: مفهوم موافقة الضحية في الإطار الجنائي
الأصل في القانون الجنائي أن رضا المجني عليه قد يكون له أثر في نفي الصفة الجرمية عن بعض الأفعال، متى تعلق الأمر بحقوق يجوز التصرف فيها، ولم يكن الرضا مشوبًا بعيب من عيوب الإرادة. غير أن هذا الأصل لا يُطبّق على نحو مطلق، إذ تخرج عن نطاقه الجرائم التي تمس النظام العام أو الكرامة الإنسانية، ومن بينها جريمة الاتجار بالبشر.
وفي هذا السياق، فإن موافقة الضحية في جرائم الاتجار بالبشر غالبًا ما تكون موافقة شكلية أو معيبة، تصدر نتيجة استغلال حالة ضعف، أو فقر، أو جهل، أو تبعية، أو حاجة اقتصادية، الأمر الذي يفقدها قيمتها القانونية.
ثالثًا: موقف المشرّع الأردني من موافقة الضحية
يتضح من نصوص قانون منع الاتجار بالبشر الأردني أن المشرّع قد تبنّى موقفًا حاسمًا بعدم الاعتداد بموافقة الضحية. إذ يركّز التجريم على فعل الاستغلال ذاته والوسائل المستخدمة فيه، كالإكراه أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو استغلال حالة الضعف، دون أن يجعل لرضا الضحية أي أثر في نفي الجريمة.
ويُفهم من ذلك أن المشرّع ينظر إلى الضحية باعتبارها محل حماية خاصة، لا سيما وأن الاتجار بالبشر يقوم على اختلال جوهري في موازين القوة بين الجاني والضحية. وبالتالي، فإن قبول الضحية بالعمل أو النقل أو الاستغلال لا يُعد سببًا للإباحة ولا مانعًا من العقاب.
رابعًا: موقف القضاء الأردني
استقر القضاء الأردني، في تطبيقه لنصوص قانون منع الاتجار بالبشر، على عدم الاعتداد بموافقة الضحية متى توافرت عناصر الجريمة. فقد أكدت الأحكام القضائية أن العبرة ليست برضا الضحية، وإنما بحقيقة الاستغلال الواقع عليها، وبالظروف التي أحاطت بهذا الرضا، وما إذا كان وليد إرادة حرة أم نتيجة ضغط أو استغلال.
ويعكس هذا الاتجاه القضائي انسجامًا واضحًا مع فلسفة التشريع، ومع المعايير الدولية التي تعتبر أن موافقة الضحية لا تُعتد بها متى استُخدمت أي وسيلة من وسائل الاتجار المنصوص عليها قانونًا.
خامسًا: التقييم القانوني
إن استبعاد أثر موافقة الضحية في جريمة الاتجار بالبشر يُعد توجهًا تشريعيًا وقضائيًا سليمًا، ينسجم مع الطبيعة الخطيرة لهذه الجريمة، ومع الهدف الوقائي والحمائي للقانون الجنائي. فالأخذ بعين الاعتبار بموافقة الضحية من شأنه إفراغ النصوص العقابية من مضمونها، وفتح المجال أمام الجناة للتحلل من المسؤولية بحجة القبول الظاهري.
ومع ذلك، يُستحسن أن يتدخل المشرّع بنصوص أكثر صراحة تؤكد عدم الاعتداد بموافقة الضحية، منعًا لأي لبس في التطبيق، وتعزيزًا لمبدأ الحماية الجنائية للإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.
خاتمة
خلص التحليل إلى أن موافقة الضحية في جريمة الاتجار بالبشر، وفق التشريع الأردني، لا تُنتج أي أثر قانوني في نفي الجريمة أو تخفيف المسؤولية الجزائية، متى ثبت وقوع الاستغلال. ويُعد هذا التوجه انعكاسًا لفلسفة جنائية حديثة تُعلي من شأن الكرامة الإنسانية، وتضع حماية الضحية في صميم السياسة الجنائية
