لا تحاكموا الاحزاب باخطاء المتسلقين
بقلم د.فوزان العبادي
يقول المثل الشعبي:
“الولد الهامل يجيب لاهله المسبة”.
وهو مثل لا يقصد الاساءة بقدر ما يحمل معنى عميقا، فالفرد قد يسيء الى اسم عائلة كاملة، كما قد يسيء شخص واحد الى مؤسسة كاملة، رغم ان المؤسسة لم تصنع خطأه ولم تمنحه شرعية الانحراف.
هذا تماما ما تعانيه الحياة الحزبية اليوم.
فكلما ظهر متسلق، او صاحب مصلحة، او شخص دخل الحزب باحثا عن منصب او نفوذ او مكسب شخصي، ثم سقط اخلاقيا او تنظيميا، سارع البعض الى تقديمه باعتباره الدليل القاطع على فشل الاحزاب. وكأن الاحزاب هي التي صنعت شخصيته، او غرست فيه الفساد، او علمته الانتهازية، بينما الحقيقة ان كثيرا من هؤلاء حملوا معهم تاريخهم وسلوكهم اينما ذهبوا، وما الحزب الا محطة جديدة في رحلة البحث عن المصلحة. المفارقة ان بعض هؤلاء لم يعرف العمل الحزبي الا منذ اشهر، ولم يقدم فكرا ولا مشروعا ولا مبادرة، لكنه يجيد الظهور، ويجيد صناعة الضجيج، ويجيد لعب دور الضحية عندما تنكشف حقيقته. وعندما يفشل في تحقيق ما يريد، يبدأ بجلد الحزب الذي احتضنه، ويصور نفسه بطلا حارب الفساد، بينما الواقع انه اصطدم بمؤسسة رفضت ان تكون جسرا لطموحاته الشخصية. العمل الحزبي ليس ناديا للمصالح، ولا شركة لتوزيع المكاسب، ولا سلما للقفز نحو المواقع. الحزب الحقيقي مدرسة وطنية تقوم على الفكر والالتزام والانضباط، ومن لا يحتمل هذه القواعد يبحث دائما عن شماعة يعلق عليها فشله، واسهل شماعة هي مهاجمة الحزب نفسه.
والاخطر من سلوك المتسلقين، هو سلوك من ينتظر سقوط احدهم ليشن حملة على فكرة الحزب ذاتها. لا يقرأ برنامجا سياسيا، ولا يناقش رؤية، ولا يحاكم تجربة، بل يكتفي بالقول: انظروا الى هذا الشخص… هذه هي الاحزاب. وهذا منطق لا يمكن ان يقبله عاقل. فاذا اخطأ طبيب لا نحاكم مهنة الطب، واذا اخطأ قاض لا نسقط هيبة القضاء، واذا اخطأ رجل اعمال لا نصف الاقتصاد كله بالفساد، فلماذا يصبح خطأ فرد داخل حزب مبررا لاغتيال فكرة العمل الحزبي بأكملها؟
الاحزاب القوية لا تثبت قوتها بانها تخلو من الاخطاء، فهذا مستحيل، لكنها تثبت قوتها عندما تملك الشجاعة لمحاسبة المسيء، وعندما تقدم النظام على الاشخاص، والمبادئ على المصالح، والوطن على الافراد. اما الحزب الذي يحول المتسلقين الى رموز، او يحمي الفاسدين، فهو اول من يحكم على نفسه بالفشل.
لقد دفعت الاحزاب ثمنا باهظا بسبب اشخاص لم يؤمنوا يوما بفكرة الحزب، بل امنوا بما يمكن ان يقدمه الحزب لهم. وحين انتهت مصالحهم، بدأوا حملة تشويه ضد كل ما عجزوا عن السيطرة عليه. لذلك لا يجوز ان يتحول هؤلاء الى مرآة تعكس صورة الحياة الحزبية، فهم لا يمثلونها، بل يمثلون انفسهم فقط.
اليوم نحن بحاجة الى ثقافة سياسية جديدة، تميز بين المؤسسة والفرد، وبين المشروع والمتسلق، وبين الخطأ الشخصي والمنهج الوطني. فالمجتمعات التي تهدم مؤسساتها بسبب اخطاء الافراد، لا تبني ديمقراطية، بل تعيد انتاج الفوضى.
ويبقى المثل الشعبي حاضرا في معناه، فالولد الهامل قد يجلب المسبة لاهله، لكن الاهل العقلاء لا يدافعون عن همالته، ولا يسمحون له ان يتحدث باسمهم، بل يبادرون الى تصحيح الخطأ وحماية سمعتهم. وكذلك الاحزاب الوطنية، قيمتها لا تقاس بمن دخلها بحثا عن مصلحة، بل بمن بقي فيها مؤمنا بالفكرة، صابرا على الطريق، ومدافعا عن الوطن قبل ان يدافع عن نفسه.










