إنجاز
الإعلامي #فلاح القيسي يكتب..
ليست مادبا مدينة تُرى بالعين وحدها، بل تُقرأ بالقلب. فمنذ أن تطأ قدماك أرضها، تشعر أنك تعبر بين صفحات كتاب عتيق، كُتبت سطوره بالفسيفساء، وخُتمت بعطر الأنبياء وبخور القديسين.
في سمائها لا يبدو المشهد عاديا؛ فهناك تتعانق المآذن وأجراس الكنائس في سيمفونية إيمان لا تعرف سوى المحبة، وكأن المكان يهمس للعالم بأن الأديان جاءت لتقرب الإنسان لا لتفرقه، وأن الأردن كان وسيبقى أرض التسامح والوئام.
وعلى أطرافها يقف التاريخ شامخا. غربها جبل نيبو، حيث وقف نبي الله موسى عليه السلام يتأمل الأرض المباركة. وفي غورها جرت مياه نهر الأردن شاهدة على معمودية السيد المسيح عليه السلام. وجنوبها يرتفع جبل مكاور، محتفظا بذكرى استشهاد نبي الله يحيى عليه السلام دفاعا عن الحق، بينما يروي شرقها قصة الراهب بحيرد الذي قرأ في وجه الطفل محمد صلى الله عليه وسلم بشائر النبوة.
أما شمالها، فتحتفظ المأمونية بذكرى مرور الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريقه لتسلّم مفاتيح القدس، حاملا رسالة العدل والتسامح.
ذلك هو سر مادبا… ليست حجارة أثرية ولا مواقع سياحية فحسب، بل ذاكرة وطن، ورسالة حضارة، وملتقى رسالات سماوية اجتمعت على أرض واحدة، لتقول إن الإيمان حين يصدق، يصنع المحبة، وإن التاريخ حين يُحفظ، يصنع الهوية.
ستبقى مادبا أكثر من مدينة؛ ستبقى قصيدة يكتبها الزمن، ولوحة من فسيفساء لا تزداد مع الأيام إلا جمالا، ودرة أردنية يتعانق في رحابها التاريخ والإيمان.
