بقلم: د. أشرف الغزو
إنّ السردية الأردنية ليست مجرد تدوين لتاريخ بقعة جغرافية، بل هي الهوية الحكائية والثقافية التي تُشكل وجدان الشعب الأردني، وتجمع بين التاريخ، والجغرافيا، والاجتماع البشري. إنها القصة الجماعية التي تروي كيف تحول هذا البلد، الممتد بين الصحراء والنهر، من ملتقى للقوافل والحضارات القديمة إلى دولة حديثة صلبة في قلب منطقة تموج بالاضطرابات. لم يكن الأردن يوماً هامشاً في التاريخ؛ بل كان دائماً في قلب الحدث.
فعلى أرضه قامت ممالك قديمة وضعت بصمتها في التاريخ الإنساني، من الأنباط الذين نحتوا الصخر في البتراء، إلى المؤابيين والعمونيين والأدوميين.
هذا العمق التاريخي يتكامل مع بعدٍ روحي فريد؛ إذ تحتضن الأرض الأردنية مقامات صحابة رسول الله الذين سطروا بدمائهم معارك اليرموك ومؤتة، وفي الوقت نفسه تضم موقع “المغطس” (موقع عماد السيد المسيح)، مما جعل الأردن نموذجاً تاريخياً حياً للعيش المشترك والوئام الديني. ومع مطلع القرن العشرين، استمدت السردية السياسية للأردن شرعيتها ونواتها الأولى من مبادئ الثورة العربية الكبرى (1916) بقيادة الشريف الحسين بن علي.
ومن هنا، لم يقم الأردن عند تأسيس الإمارة عام 1921 على أساس إقليمي ضيق، بل تأسس يحمل فكراً قومياً عربياً رحباً، استقبل الأحرار والمثقفين من كل البلاد العربية، وتلاحمت القيادة الهاشمية مع القبائل والعشائر الأردنية والعائلات المدنية لبناء مؤسسات الدولة، والجيش، والتعليم من نقطة الصفر.
ومن أقوى فصول السردية الأردنية التي يتفرد بها وطنا، هي القدرة العالية على الاستيعاب والدمج الإنساني؛ فالأردن لم يكن يوماً مجرد حدود جغرافية، بل هو “ملاذ الأحرار” ووطن المهاجرين والأنصار في العصر الحديث.
لقد استقبل الأردن موجات اللجوء والنزوح من إخوتنا الفلسطينيين، والشركس، والشيشان، والأرمن، والعراقيين، والسوريين، ولم يتعامل معهم كغرباء، بل دمجهم في نسيجه الاجتماعي والاقتصادي ليصبحوا جزءاً أصيلاً من الهوية الأردنية المنتجة والمخلصة. ولا يمكن قراءة هذه السردية دون المرور بتضحيات القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، الذي يعكس اسمه البعد القومي للوطن.
فقد ارتبطت سردية الشجاعة والصمود الأردنية بمعارك الدفاع عن فلسطين والقدس في باب الواد واللطرون، وتوجت بـ “معركة الكرامة” عام 1968، التي أعادت الأمل والثقة للإنسان العربي وشكلت نقطة تحول في الوجدان الوطني.
إن هذه الحكاية السياسية والعسكرية توازيها سردية ثقافية واجتماعية غنية، تنعكس في قيم البادية والريف المتمثلة في الكرم، وإغاثة الملهوف، والشهامة، وفي التراث اللامادي والأدب الذي جرى في قصائد مصطفى وهبي التل (عرار) وفي روايات أخرى ، وصولاً إلى المظاهر التراثية كـ “المنسف” الذي يمثل رمزاً للهوية والاجتماع والترحيب.
ختاماً، يمكننا القول إن السردية الأردنية هي حكاية “القلة في الموارد، والكثرة في الإنجاز”. هي قصة وطن استطاع بمؤسساته الراسخة، ووعي شعبه، وحكمة قيادته الهاشمية، أن يحول التحديات الجيوسياسية المعقدة إلى فرص صمود واستقرار، ليظل الأردن دائماً كبيراً بمواقفه، عميقاً بتاريخه، وعصياً على كل الأزمات.












