لوحات تراثية أردنية ..الصريح مرآتها .
بقلم الدكتور صالح العجلوني .
صباحٌ معطّرٌ برائحة السنابل القديمة، وبأصوات الرجال الذين غنّوا للقمح حتى صار الغناء جزءاً من الحصاد.
لا زلت اذكر بيادر الصريح… في لواء بني عبيد التي تسكن سهول حوران يوم كان القمح سيّد المواسم، وكانت الأرض تحفظ أسماء أصحابها كما تحفظ الأم أسماء أبنائها؟ يوم كانت السنابل إذا مالت مع الريح بدت كأنها أمواج بحرٍ ذهبيٍّ لا شاطئ له، يمتد على مدّ البصر ويعانق الأفق في حضن إربد الشرقي.
هناك… حيث تبدأ الحكاية من المسرب، والطوال، والعكليك، ورأس الحمراء، والمراريط، وزقروطة، وأرحيل، وسلمان، والماصية، وسعوة، والجدة… أسماءٌ لم تكن مجرد مواقع على الخريطة، بل كانت فصولاً من سيرة العمر، وأغنياتٍ ريفيةً تحفظها الذاكرة كما تحفظ العصافير طريق عودتها إلى الأعشاش.
مع أول خيطٍ من شمس الصيف، كان الفلاح يخرج إلى حقله حاملاً قلبه على كتفه، لا يملك من الدنيا إلا عزيمته، وكفّيه الخشنتين اللتين كتبتا على التراب قصائد البقاء. كان يزرع العمر حبّةً حبّة، ويودع أحلامه بين حبات القمح والشعير والعدس والكرسنة، ثم يسقيها من عرق جبينه قبل أن يسقيها المطر.
وعلى الطرقات الترابية التي تربط الحارات بالسهول، كانت الحياة تمضي في موكبٍ جميل. أفواج طلاب التوجيهي يسيرون بين السنابل، يحملون دفاترهم وأحلامهم، وكأن حقول القمح كانت تفتح لهم أبواب الذاكرة ليحفظوا الدروس على إيقاع النسيم.
كانت السيارات القديمة والتركترات تعود متهاديةً من الحقول، محمّلةً بالغلال، كأنها عرائس تزفّ الخير إلى البيوت ،وخلفها تمضي الحمير بصبرها الجميل، تحمل الزوادة وقِرَب الماء البارد، فتبدو كأنها جنود مجهولون في جيش الخير. أما الجمال فكانت تشق الطريق بخطاها الواثقة وهيبتها الهادئة، وكأنها تدرك أن موسم الحصاد هو عيد الأرض الأكبر، ومهرجان الفرح الذي تنتظره القرى عاماً كاملاً.
وكانت الحقول تضجّ بالأصوات الجميلة؛ أصوات المناجل وهي تعانق السنابل، وأصوات الحصادين وهم يتنادون من طرف السهل إلى طرفه الآخر، فيردّ بعضهم على بعض بالأهازيج والعتابا والدلعونا. تتعالى الأصوات:
“يا حمرا يا لواحة…”
فيرد آخر من بعيد:
“هبّ الهوى يا ياسين… يا نسيم الدراسين…”
فتسري الكلمات فوق السنابل وتردد صداها السناسل كما تسري الريح، وتتحول ساعات التعب إلى عرسٍ من الفرح، وكأن الأغنية كانت تحمل عنهم نصف المشقة، وتزرع في قلوبهم قوةً جديدة مع كل بيتٍ يقال.
وعندما تميل الشمس نحو المغيب، كانت القوافل تعود من الحقول إلى البيادر. هناك حيث تتكدس أكوام القمح والشعير والعدس والكرسنة كجبالٍ صغيرة من الخير، وحيث يجتمع الرجال والنساء والأطفال حول موسمٍ صنعوه بأيديهم وقلوبهم.
وفي الصباح، يبدأ الدراس دورانه الألواح فوق القشّ، فتتعالى الأصوات من جديد، وتنتشر في المكان رائحة التبن الممزوجة بحرارة الشمس وعرق الرجال، تلك الرائحة التي لا تشبه شيئاً في هذا العالم إلا رائحة الزمن الجميل نفسه.
ولم تكن البيادر مجرد مكانٍ لفصل الحبوب عن التبن، بل كانت ساحةً للمحبة، ومدرسةً للتكافل، وملتقىً للأرواح الطيبة. هناك كانت الأيدي تتعاون قبل أن تتصافح، والقلوب تتقارب قبل أن تتجاور البيوت. كان الجميع يأكلون من طبقٍ واحد، ويشربون من إبريقٍ واحد، ويقتسمون التعب والفرح كما يقتسم الإخوة رغيف الخبز.
وكان الأطفال يركضون بين أكوام التبن، يملأون الدنيا ضحكاً، فيما يجلس الكبار في المساءات الصيفية يتسامرون تحت ضوء القمر، يتحدثون عن المواسم، وعن الغائبين، وعن أحلامٍ بسيطةٍ كانت تكفي لصناعة السعادة.
ثم يأتي يوم التخزين… يوم تُنقل الغلال إلى البيوت وتوضع في أماكن التخزين ” الدوائر ” فتشرق الوجوه أملاً. يبدأ الناس بالتفكير بزواج الأبناء و بشراء حاجات البيت، وثياب العيد، ولوازم المدرسة، وما تحتاجه الأسر لعامٍ كامل. وكان محصولٌ جيد كفيلاً بأن يملأ القلوب فرحاً قبل أن يملأ الجيوب.
كانت تلك الستينيات والسبعينيات الذهبية زمناً مختلفاً؛ لم تكن الحياة واسعةً بالمال، لكنها كانت واسعةً بالناس. لم تكن البيوت كبيرةً، لكن قلوب أصحابها كانت تتسع للجميع. وكانت الأيام أبسط، إلا أنها أكثر امتلاءً بالمحبة والرحمة والطمأنينة.
زمنٌ مضى… لكنه لم يرحل.
ما زال يسكن في حجارة البيوت القديمة، وفي رائحة التراب بعد الحصاد، وفي أصوات الحصادين التي تحملها الريح من بعيد. ما زال يعيش في وجوه الرجال الذين عبروا الحياة ببساطتهم، وفي أيدي الأمهات اللواتي خبزن القمح حباً قبل أن يخبزنه خبزاً.
وكلما هبّت نسمةٌ من سهول الصريح، عاد ذلك الزمن الجميل من مخابئ الذاكرة، يحمل معه وجوه الأحبة، وضحكات الرفاق، وأغنيات الحصاد، ودفئاً قديماً لا يشيخ مهما تقدمت بنا السنين.












