هاشم عقده يكتب..
إنجاز-عالمٍ تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع خطوط الملاحة لم يعد النفط مجرد سلعة بل أصبح أداة ضغط تعيد تشكيل موازين القوى والأسواق وفي قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز بوصفه أحد أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي ممرٌ مائي ضيق لكنه يحمل على عاتقه استقرار أسعار الطاقة بل واستقرار معيشة ملايين البشر حول العالم
إغلاق هذا المضيق أو حتى التلويح بإغلاقه لا يُقرأ كحدث أمني فحسب بل كإعلان غير مباشر عن موجة تضخمية عالمية فمع أي تهديد لتدفق النفط تقفز الأسعار فورًا ليس بسبب النقص الفعلي فقط بل بفعل “الخوف” الذي يضرب الأسواق قبل أن يضرب الإمدادات وهنا تبدأ سلسلة من الارتدادات الاقتصادية ارتفاع في كلفة النقل زيادة في أسعار السلع وتآكل تدريجي في القدرة الشرائية
في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد تتمكن الحكومات من امتصاص جزء من الصدمة عبر الاحتياطات والسياسات النقدية لكن حتى هذه القوى لا تستطيع الهروب من التضخم أما في الدول المستوردة للطاقة مثل الأردن فإن الأثر يكون أكثر مباشرة وقسوة ارتفاع في فاتورة الطاقة ضغط على الموازنة وانعكاس سريع على أسعار السلع الأساسية
غير أن الخطر الحقيقي لا يقف عند حدود الطاقة بل يتسلل بصمت إلى قطاعات أكثر حساسية وعلى رأسها القطاع الزراعي ففي قراءة ميدانية للواقع المحلي ومن خلال تواصل مباشر مع عدد من الشركات الزراعية يتضح أن مخزون السماد المستورد بدأ بالنفاد في ظل صعوبات في التوريد وارتفاع تكاليف الشحن المرتبطة بالتوترات في خطوط الإمداد العالمية
هذا النقص لم يبقَ مجرد أزمة توفر بل تحوّل إلى أزمة سلوك في السوق حيث اندفع عدد من المزارعين إلى تخزين كميات من الأسمدة تفوق احتياجاتهم الفعلية خوفًا من انقطاعها أو ارتفاع أسعارها لاحقًا هذه الحالة من “الهلع الاقتصادي” خلقت طلبًا مصطنعًا أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار المنتج المحلي رغم توفره النسبي وهنا تتجلى المفارقة الأزمة لم تعد فقط في نقص الموارد بل في طريقة تفاعل السوق معها
وبذلك يجد القطاع الزراعي نفسه أمام معادلة صعبة كلفة إنتاج ترتفع وسوق غير مستقر ونتيجة حتمية تتمثل في ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية وهذا بدوره يغذي ما يُعرف بـ”التضخم الغذائي” وهو أخطر أنواع التضخم لأنه يمس أساسيات الحياة اليومية للمواطن
إن ما نشهده اليوم هو نموذج واضح لـ”التضخم المدفوع بالتكاليف” حيث لا تكمن المشكلة في زيادة الطلب بل في اختلال سلاسل التوريد وارتفاع كلف الإنتاج وهو النوع الذي تعجز السياسات النقدية التقليدية عن معالجته بسهولة لأن جذوره جيوسياسية وليست مالية فقط
في المحصلة لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري بل تحوّل إلى “مؤشر استقرار عالمي” أي خلل فيه لا يعني فقط اضطرابًا في أسعار النفط بل إعادة تشكيل لسلوك الأسواق وضغطًا متصاعدًا على الأمن الغذائي وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي خاصة في الدول الهشة اقتصاديًا
غير أن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة هو هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام “عنق زجاجة جغرافي” يمكن أن تتحكم به دولة أو مجموعة دول وهنا تبرز الحاجة الملحّة لطرح مقاربة دولية جديدة تقوم على تحييد الممرات الاستراتيجية عن الصراعات السياسية وتعزيز مفهوم “الملكية الدولية الآمنة” لخطوط الملاحة الحيوية بما يضمن انسيابية التجارة وحماية الأمن الاقتصادي العالمي
إن ترك هذه الممرات رهينة للتجاذبات السياسية لم يعد خيارًا مقبولًا في عالم مترابط بهذا الشكل المطلوب اليوم ليس فقط إدارة الأزمات بل منع تشكّلها من الأساس عبر أطر قانونية واتفاقيات دولية تضمن عدم احتكار أو تهديد هذه الشرايين الحيوية
وفي هذا السياق فإن دولًا مثل الأردن مطالبة بالتوازي مع الجهد الدولي بتعزيز اعتمادها على الذات وتنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات فالعالم يتغير وقواعد اللعبة الاقتصادية لم تعد تُكتب في الأسواق فقط بل على خرائط الجغرافيا السياسية
في النهاية لم يعد السؤال ماذا لو أُغلق المضيق
بل كيف نبني نظامًا عالميًا لا يستطيع فيه أحد إغلاقه ؟؟
