بقلم محمد حسني فياض
إنجاز-لم يكن الموسم المطري الأخير أزمة في كميات الهطول، بقدر ما كان اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على إدارة الموارد المائية بكفاءة، فقد جاءت الأمطار هذا العام بسخاء نسبي، لكنها اصطدمت بواقع إداري لم ينجح في تحويل الغيث إلى مخزون مستدام، ولا المياه إلى عنصر أمان استراتيجي.
إن المُتابع لملف المياه في الأردن يدرك أن التحدي لا يكمن فقط في شح الموارد، بل في كيفية إدارتها! فالنقاش المتكرر حول اتفاقيات المياه يثير الجلبه والتسائل المشروع: هل أحسنّا استثمار ما يتوفر لدينا من مياه الأمطار قبل البحث عن حلول خارجية؟ أن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين الإمكانات الطبيعية المتاحة وبين آليات الاستفادة منها على أرض الواقع.
رغم أن الأردن بدأ مبكرًا في تبنّي سياسات للتكيّف مع آثار التغير المناخي، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب من الجميع الى الانتقال من مجرد التكيّف إلى التخفيف من حدة الآثار المترتبه من التغير المناخي، وذلك عبر خطط تنفيذية طويلة الأمد، فوجود الاستراتيجيات وحده لا يكفي ما لم تُدعّم بكفاءات قادرة على التطبيق والمتابعة، وبإرادة مؤسسية تضمن الاستمرارية بعيدًا عن الحلول المؤقتة.
وتتجلى إحدى أبرز الإشكاليات في ملف السدود، حيث أدت ترسبات الطمي إلى تقليص السعة التخزينية، ما حرم الأردن من الاستفادة الكاملة من مياه الأمطار، والطمي، الذي يمكن أن يشكّل موردًا مهمًا لتحسين خصوبة التربة إذا ما أُحسن استثماره علميًا، تحوّل إلى عبء متراكم نتيجة غياب المعالجة المستدامة، ومع ذلك، لا بد من الإشادة بالجهود الوطنية التي بُذلت في هذا السياق، وعلى رأسها ما قامت به القوات المسلحة الأردنية بالتعاون مع الجهات المعنية في تنظيف سد الكرامة في عام سابق، وهو نموذج عملي يؤكد أن الحلول ممكنة حين تتوافر الإرادة والتنسيق.
ولا يمكن فصل ملف المياه عن ملف الأمن الغذائي، فشح المياه ينعكس مباشرة على القطاع الزراعي، الذي يشكّل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد في محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير، يصبح تعزيز إدارة المياه شرطًا لا غنى عنه لأي توجه جاد نحو تحقيق أمن غذائي مستدام.
كما تبرز الحاجة إلى تفعيل مفاهيم ما زالت مطروحة نظريًا أكثر من كونها مطبّقة عمليًا، مثل الحصاد المائي، والسدود الترابية والركامية في مجاري السيول، والتي يمكن أن تسهم في تغذية الخزانات الجوفية وتقليل فقدان المياه والطمي قبل وصولها إلى السدود الرئيسية. وتجارب بعض المؤسسات الوطنية في هذا المجال تؤكد جدوى هذه الحلول إذا ما جرى تعميمها ضمن إطار وطني منظم.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الأفكار أو الحلول، بل في القدرة على تحويلها إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ، ومتابعتها بشكل منهجي ومستمر. فالأمن المائي لا يُبنى بالتصريحات ولا بالمؤتمرات، بل بالعمل الميداني والتخطيط طويل الأمد، وهو ركيزة لا غنى عنها لضمان الأمن الغذائي واستقرار الدولة.
لقد أدّت الطبيعة دورها هذا الموسم، ويبقى الدور الأهم هو دور الإدارة الرشيدة، التي تحوّل الفرص إلى إنجازات، والتحديات إلى مسارات إصلاح حقيقية..
