بقلم : محمد الروسان
معادلة منتصف الشهر: كيف بات الأردني يدير اقتصاده المنزلي للعبور إلى الراتب القادم؟
مع إشراقة اليوم الخامس عشر من كل شهر، لا يتغير الطقس في شوارع عمّان ولا في قرى المحافظات، لكن شيئاً ما يتغير بوضوح في النبرة والملامح. يُستبدل حديث “التسوق والتخطيط” بحديث “الترشيد وإعادة الترتيب”، وتبدأ في أغلب البيوت الأردنية عملية إدارة أزمات مصغرة تُعرف ضمناً بـ “معادلة العبور إلى يوم 25”.
لم يعد الأردني يحتاج إلى شهادة في العلوم المالية ليفهم معنى “التضخم” أو “تآكل القدرة الشرائية”؛ فقد أتقن هذه المفاهيم ممارسةً لا theory، متخذاً من سفور ميزانيته المنزلية حقل تجارب يومي. فالراتب الذي كان يغطي التزامات الأسرة طيلة ثلاثين يوماً، بات يقف عاجزاً في منتصف الطريق، ليترك رب الأسرة أمام أسئلة معيشية معقدة: أي الفواتير يمكن تأجيلها؟ وأي المصاريف يمكن اختصارها دون أن تمسّ الأساسيات؟
هندسة الأولويات: فن إدارة الرصيد المتبقي
في النصف الثاني من الشهر، تتغير سلوكيات الاستهلاك بشكل ملحوظ. تنخفض وتيرة الحركة في الأسواق والمجمعات التجارية، ويتأجل شراء الملابس، وتتحول الزيارات العائلية والمناسبات الاجتماعية إلى نفقات محسبة بدقة.
تتحول الميزانية الأردنية من “التخطيط الشهري” إلى “التكتيك اليومي”؛ فالمصروف يُقسم على الأيام المتبقية بالدينار والقرش. تُعطى الأولوية المطلقة لرغيف الخبز، مستلزمات الأبناء الدراسية، والعلاجات الضرورية، بينما تُرحَّل أقساط أو فواتير خدمية إلى إشعار آخر، على أمل أن يحمل الراتب القادم فرجاً يرمم ما أفسده الشهر الحالي.
الطبقة الوسطى: الصمود بأساليب جديدة
اللافت في المشهد اليوم هو أن هذا الضغط لم يعد محصوراً في الفئات الأقل دخلاً، بل تمدد ليلتهم الطبقة الوسطى التي طالما شكلت صمام الأمان والعمود الفقري للاقتصاد الوطني. أسَر الموظفين والمعلمين والمهندسين باتت تعيش الواقع ذاته، مجبرةً على الاستغناء عن نفقات كانت حتى وقت قريب تُصنف كأنشطة اعتيادية.
لم يعد الاستغناء عن الرفاهيات اختياراً، بل تحول إلى خط دفاع أول للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. ولعل هذا ما يفسر انتشار المبادرات المنزلية، والاعتماد المتزايد على المشاريع الأسرية الصغيرة، أو البحث عن عمل إضافي لردم الفجوة بين الدخل والمصروف.
الأرقام الرسمية مقابل واقع الشارع
بينما تشير التقرير الاقتصادية الصادرة عن الجهات الرسمية إلى نسب تضخم منضبطة واستقرار نفي في بعض المؤشرات، يرى المواطن في جولة واحدة داخل السوبرماركت أو عند محطة الوقود واقعاً مختلفاً. فـ “سلة السلع الأساسية” شَهدت ارتفاعات تراكمية على مدى السنوات الأخيرة جعلت من القوة الشرائية للدينار أضعف مما كانت عليه، دون أن يرافق ذلك زيادة موازية في مستويات الأجور.
قوة مجتمعية وتكافل لا يغيب
رغم قسوة هذه المعادلة المالية، يبرز في الشارع الأردني جانب آخر متجذر: التكافل الاجتماعي. من “الجمعيات الأهلية” بين الجيران والزملاء، إلى التغاضي المتكرر من أصحاب المحال التجارية الصغرى عن ديون “الدفتر”، يرسم المجتمع الأردني شبكة أمان موازية تخفف من وطأة الضائقة المالية للوصول إلى بر الأمان عند نهاية كل شهر.
يبقى السؤال المطروح في أروقة الصالونات الاقتصادية والبيوت الأردنية: إلى متى سيبقى “التكيف والترشيد” هو الحل الوحيد المتاح أمام المواطن؟ وهل تنعكس الخطط والبرامج الاقتصادية الحكومية قريباً على جيب المواطن لتعيد لمنتصف الشهر توازنه وهدوءه؟





