بقلم هاشم عقدة
إنجاز-في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والمناخية، وتتعرض فيه سلاسل التوريد الغذائي العالمية لاضطرابات متكررة، يبرز دور المؤسسات الوطنية الفاعلة في حماية الأمن الغذائي وتعزيز الاعتماد على الذات. وفي هذا السياق، تؤدي المؤسسة التعاونية الأردنية دورًا محوريًا ومتقدمًا من خلال مشروع إكثار البذار، التي تشكّل نموذجًا وطنيًا ناجحًا في دعم القطاع الزراعي وتعزيز استدامته.
يُعد مشروع غربلة وتعقيم بذار الحبوب أحد أبرز هذه المشاريع الوطنية الرائدة، إذ تأسس في عام 1982 بالتعاون بين وزارة الزراعة ووزارة الصناعة والتجارة، وقد كُلّفت المؤسسة التعاونية الأردنية بتنفيذه عبر إنشاء محطتين في مادبا وإربد لتوفير بذار مغربلة ومعقمة لجميع المزارعين في المملكة، وفق معايير فنية تسهم في تحسين الإنتاج الزراعي وتقليل المخاطر.
ويرتكز دور المؤسسة التعاونية الأردنية على عدة محاور أساسية: توقيع العقود مع المزارعين لزراعة بذور الأساس وإنتاج البذار المحسن، غربلة البذار وتعقيمه وتشويله وتوفيره للمزارعين عبر محطاتها، بالإضافة إلى الاحتفاظ بمخزون استراتيجي من الحبوب لتغطية النقص في سنوات الجفاف. كما تسعى المؤسسة إلى تزويد كل إقليم بالبذار المناسبة لظروفه المناخية والزراعية، بما يعزز الإنتاجية ويضمن ملاءمة البذار للبيئة المحلية.
ويستهدف المشروع مساحات واسعة من أراضي المملكة في الأقاليم الثلاثة، والتي يزيد معدل الهطول المطري فيها عن 200 ملم سنويًا، وهي مناطق مناسبة لزراعة القمح والشعير. ويُراعي المشروع التنوع المناخي بين الأقاليم، ما يتيح الاستفادة من الخصائص النسبية لكل منطقة ويزيد من الإنتاج الزراعي الوطني. كما يركز المشروع على دعم مزارعي الحبوب، لا سيما في المناطق التي تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والحد من الهجرة إلى المدن، وإعادة استغلال الأراضي الزراعية البور.
وتتعدد مبررات المشروع، في مقدمتها غياب مصدر وطني منظم لتوفير بذار مغربلة ومعقمة ومحددة الصنف، مما يقلل الإصابة بالأمراض ويزيد الإنتاج. كما يساهم المشروع في تزويد المزارعين بالبذار في مختلف أنحاء المملكة، بما يعزز إنتاج القمح والأعلاف، ويحد من هجرة العمالة الزراعية، ويعيد استغلال الأراضي الزراعية المهملة.
ويهدف المشروع إلى تشجيع أصحاب الحيازات الصغيرة على استثمار أراضيهم، من خلال تزويدهم بالبذار المناسبة، مما يؤدي إلى زيادة المساحات المزروعة وتحسين دخل الأسرة الريفية. كما يسعى إلى توفير فرص عمل حقيقية، والمساهمة في معالجة مشكلتي الفقر والبطالة، والحد من الهجرة الريفية، فضلًا عن كونه مشروعًا استراتيجيًا يساهم مباشرة في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
ويفتح المشروع آفاقًا واسعة للتكامل داخل القطاع وخارجه، من خلال تشغيل الآليات الزراعية في المناطق المستهدفة، وتعزيز التكامل بين القطاعين النباتي والحيواني، والمساهمة في تخفيض كميات الحبوب المستوردة، بما يخفف العبء على الميزان التجاري ويعزز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
أما العوائد المتوقعة، فتتمثل في زيادة المساحات المزروعة ورفع إنتاج الحبوب، وتحسين مستوى دخل الأسرة الريفية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي لمادة الطحين، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة تساهم في خفض نسب الفقر والبطالة وتحسين مستوى المعيشة للمزارعين.
إن ما حققته المؤسسة التعاونية الأردنية من خلال مشاريع إكثار البذار وغربلته وتعقيمه يعكس كفاءة إدارية وفنية واضحة، ورؤية تنموية تتماشى مع أولويات المملكة في تحقيق الأمن الغذائي. وهو نموذج وطني يستحق الإشادة والدعم، لما يقدمه من أثر اقتصادي واجتماعي استراتيجي، ويثبت قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة مواردها الزراعية بكفاءة واستدامة.
