ان إلغاء الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات هو تراجعٌ عن جوهر الإدارة المحلية. تقوم فكرة الإدارة المحلية في جوهرها على مبدأ واضح ومباشر: أن يكون لأبناء المحافظة دور حقيقي في إدارة شؤون مناطقهم، واختيار من يمثلهم، والمشاركة في تحديد أولويات التنمية والخدمات والمشاريع. ومن هذا المنطلق، فإن تعديل مشروع قانون الإدارة المحلية في الأردن، والمتعلق بإلغاء الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات واستبداله بالتعيين، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى انسجام هذا التوجه مع فلسفة الإدارة المحلية وأهدافها. إن مجلس المحافظة الذي يستمد شرعيته من أصوات أبناء المحافظة يختلف في جوهره عن مجلس يتم اختيار أعضائه بالتعيين. فالعضو المنتخب يدخل المجلس وهو يحمل تفويضاً شعبياً واضحاً، ويكون مسؤولاً أمام الناخبين عن مواقفه وقراراته وأدائه. أما التعيين، مهما كانت معاييره دقيقة ومهما كانت نواياه حسنة، فإنه ينقل مصدر الشرعية من المواطن إلى الجهة التي تملك سلطة التعيين. وهذا يضعف بطبيعة الحال العلاقة المباشرة بين المواطن ومجلس المحافظة ويلغي الهدف الرئيسي من فكرة الأدارة المحلية. ومن هنا، فإن إلغاء الانتخاب المباشر لا يمثل مجرد تغيير في آلية تشكيل المجالس، بل هو تغيير في طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة المحلية، وفي مفهوم المساءلة الشعبية والتمثيل الديمقراطي على المستوى المحلي. الإدارة المحلية لا تكتمل من دون مشاركة المواطنين إذا كان الهدف من مشروع الإدارة المحلية هو الوصول إلى إدارة أكثر كفاءة، وتحقيق تنمية متوازنة، وتعزيز مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار، فإن الطريق إلى ذلك لا يكون بإبعاد المواطنين عن اختيار ممثليهم، وإنما بتطوير التجربة الانتخابية ومعالجة أوجه القصور التي ظهرت في التطبيق. فإذا كانت هناك ملاحظات على أداء مجالس المحافظات السابقة، أو على آلية الانتخابات، أو على ضعف الصلاحيات، أو على العلاقة بين المجالس والجهات التنفيذية، فإن معالجة هذه الإشكالات يجب أن تكون من خلال الإصلاح والتطوير، لا بإلغاء أحد أهم أركان المشاركة الشعبية. إن ضعف تجربة معينة لا يعني بالضرورة فشل فكرة الإدارة المحلية ذاتها، كما أن وجود قصور في أداء بعض المجالس لا يبرر حرمان المجتمع المحلي بأكمله من حق اختيار ممثليه. من حق المواطن أن يختار من يقرر أولوياته المحافظة ليست مجرد وحدة إدارية على الخريطة، وإنما مجتمع له احتياجات وأولويات وتحديات تختلف من منطقة إلى أخرى. وأبناء المحافظة هم الأقدر على معرفة من يستطيع تمثيل مصالحهم والتعبير عن احتياجاتهم. فكيف يمكن الحديث عن تعزيز الإدارة المحلية إذا كان المواطن لا يملك حق اختيار المجلس الذي يفترض أن يحدد أولويات محافظته التنموية؟ إن المواطن الذي يشارك في الانتخابات المحلية يشعر بأن له دوراً في صناعة القرار، وأن صوته قادر على التأثير في مستقبل منطقته. أما عندما يصبح المجلس بالتعيين، فقد يشعر المواطن بأن القرارات المتعلقة بمحافظته تُتخذ بعيداً عنه، وأن دوره يقتصر على تلقي نتائج تلك القرارات. وهذا يتعارض مع الهدف الأساسي المعلن من الإدارة المحلية، وهو نقل جزء من عملية صنع القرار إلى المستوى المحلي وتعزيز المشاركة المجتمعية. المطلوب إصلاح التجربة لا إلغاء الانتخابات قد تكون هناك حاجة فعلية إلى إعادة النظر في تجربة مجالس المحافظات، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد الصلاحيات، وتوزيع الاختصاصات، والموارد المالية، وآليات الرقابة، ووضوح العلاقة بين المجلس والوزارات والجهات التنفيذية والبلديات. لكن هذه القضايا يمكن معالجتها من خلال تعديلات تشريعية تعزز قدرة المجلس المنتخب على أداء دوره، وتضع معايير واضحة للترشح، وتطور الرقابة والمساءلة، وتربط الخطط التنموية بالموازنات والموارد المتاحة.
التعيين قد يضعف المساءلة من أهم مزايا المجالس المنتخبة أن أعضاءها يدركون أنهم سيعودون إلى المواطنين الذين انتخبوهم، وأن أداءهم سيكون محل تقييم ومحاسبة شعبية. وهذه المساءلة تشكل حافزاً للمجلس المنتخب على التواصل المستمر مع المواطنين والاستماع إلى مطالبهم والدفاع عن مصالح مناطقهم. أما العضو المعين، فإن علاقته الأساسية تكون بالجهة التي قامت بتعيينه، الأمر الذي قد يخلق، ولو بصورة غير مقصودة، علاقة مختلفة في مفهوم المسؤولية والمساءلة. والإدارة المحلية الفاعلة تحتاج إلى مجالس قوية ومستقلة في تمثيلها، واضحة الصلاحيات، خاضعة للمساءلة الشعبية والقانونية، وقادرة على محاسبة الأداء التنفيذي.
لا مركزية بلا تفويض شعبي إن اللامركزية ليست مجرد نقل بعض الاختصاصات من المركز إلى المحافظات، وإنما هي أيضاً نقل جزء من القرار إلى المجتمعات المحلية. وإذا كان المواطن في العاصمة أو المحافظة أو اللواء لا يملك اختيار من يمثله في المجلس المحلي الذي يفترض أن يشارك في تحديد أولويات التنمية، فإن مفهوم اللامركزية يصبح منقوصاً. فكلما ابتعد القرار عن المواطن، ازدادت الحاجة إلى وجود آليات حقيقية لضمان تمثيله ومشاركته. والانتخاب هو إحدى أهم هذه الآليات. الخلاصة إن كان الهدف هو مجالس محافظات أكثر كفاءة، فلنمنحها صلاحيات أوضح، وموارد مالية أكثر فاعلية، ومعايير أفضل للترشح، وآليات رقابة ومساءلة أقوى، ونطور أدوات العمل والتخطيط والمتابعة. وعليه، فإن المطلوب من المشرّع الأردني عند مناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية هو الحفاظ على مبدأ الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات، والعمل على تطويره وتصحيح مساره، لأن الإدارة المحلية التي لا يكون للمواطن فيها دور حقيقي في اختيار ممثليه تخاطر بأن تتحول من إدارة محلية قائمة على المشاركة الشعبية إلى إدارة تنفيذية محلية تدار من الأعلى إلى الأسفل. إن قوة الإدارة المحلية لا تقاس فقط بمدى سرعة اتخاذ القرار، وإنما أيضاً بمدى شرعية هذا القرار، ومشاركة المواطنين في صناعته، وقدرة المجتمع المحلي على محاسبة من يمثله. ومن هنا، فإن الحفاظ على الانتخاب المباشر ليس مجرد تمسك بإجراء انتخابي، بل هو تمسك بجوهر فكرة الإدارة المحلية ذاتها