انجاز-فُجع الوسط الإعلامي الأردني والعربي في، 23 آب/أغسطس 2025، برحيل الإعلامي الكبير إبراهيم شاهزادة، الذي وافته المنية بعد مسيرة مهنية امتدت لأكثر من ستة عقود، قدّم خلالها نموذجًا يُحتذى به في المهنية والالتزام، وكان خلالها صوتًا وطنيًا صدح بالحق ومسيرة الوطن.
لقد بدأت مسيرة شاهزادة في عام 1959، عندما التحق بمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، وذلك في مرحلة مبكرة من تأسيس الإعلام الرسمي في البلاد. وعلى الرغم من شح الإمكانيات آنذاك، إلا أنه، وبفضل صوته العميق وحضوره اللافت وأسلوبه الراقي، استطاع أن يرسّخ مكانته كواحد من أبرز الأصوات التي واكبت النشأة الأولى للإعلام الأردني.
ومع استمرار تطوره المهني، حقّق شاهزادة إنجازًا نوعيًا حين أصبح أول من قدّم نشرة الأخبار الرسمية على شاشة التلفزيون الأردني عام 1968، وهو ما شكّل حينها تحولًا كبيرًا في المشهد الإعلامي المحلي، وجعله أحد أكثر الأسماء مصداقية وتأثيرًا في وجدان الأردنيين.
ولأن الطموح لا يعرف الحدود، لم يقتصر نشاطه الإعلامي داخل المملكة، بل انتقل إلى الساحة الدولية، حيث عمل في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في لندن، كما أسس القسم العربي في إذاعة الأحواز، وهو ما منحه خبرات إعلامية متعددة الأبعاد، انعكست لاحقًا في تطوير الأداء الإعلامي الوطني.
وبفضل كفاءته المتقدمة، تولى شاهزادة لاحقًا منصب مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، حيث قاد المؤسسة نحو تحديثات جوهرية في المحتوى والتقنية، كان من أبرزها إدخال البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، مما ساهم في توسيع انتشار الرسالة الإعلامية الأردنية وربطها بالعالم العربي والدولي بشكل أكثر فاعلية.
وعلى الصعيد الميداني، برز شاهزادة كمراسل ميداني خلال أحداث أيلول 1970، وكذلك خلال حرب أكتوبر 1973، حيث نقل الأحداث من الميدان بكل مهنية وشجاعة. كما رافق جلالة الملك الحسين بن طلال في العديد من الجولات الرسمية الخارجية، مؤديًا رسالته الإعلامية كعين للأردنيين وصوت لوطنه في المحافل الدولية.
ومن أكثر اللحظات التاريخية تأثيرًا في مسيرته، أنه كان صوت الوطن الذي نعى الملك الحسين بن طلال رحمه الله عام 1999، في لحظة صمت فيها الأردن، وارتجف وجدان الأمة، فجاء صوته ثابتًا، رصينًا، يحمل هيبة الحدث ووجع الفقد، ليظلّ ذلك النعي محفورًا في ذاكرة الأردنيين حتى اليوم.
وإضافة إلى إنجازاته المحلية والدولية، شغل شاهزادة منصب نائب رئيس لجنة الأخبار في اتحاد إذاعات الدول الأوروبية، ليكون بذلك أول إعلامي عربي يتولى هذا المنصب، في دلالة واضحة على مكانته المهنية واحترامه في الأوساط الإعلامية العالمية.
ولم يكتفِ شاهزادة بالعمل الميداني والإداري، بل وثّق تجربته الطويلة في كتابه “من دفتر الذاكرة”، الذي يُعد شهادة حية على مرحلة مهمة من تاريخ الإعلام الأردني، ومرجعًا غنيًا للأجيال الجديدة من الصحفيين والإعلاميين.
واليوم، برحيله، يخسر الأردن قامة إعلامية وطنية قلّ نظيرها، وشخصية تركت بصمتها العميقة في كل زاوية من زوايا الإعلام الأردني. ورغم غيابه الجسدي، إلا أن صوته سيبقى حاضرًا، وسيرته ستبقى نبراسًا لكل من يؤمن أن الإعلام رسالة ومسؤولية.