كما لا تُشرق الشمس إلا من أفق صافٍ، لا يُثمر الغصن إلا من طيب الجذور
بقلم الدكتورة بسمة فريحات
كما لا تُشرق الشمس إلا من أفق صافٍ، لا يُثمر الغصن إلا من طيب الجذور. هذه الحقيقة البسيطة تختزل سرّ الوجود الإنساني، إذ تعكس أن ما يظهر من ثمارنا وأفعالنا ليس سوى صدى لما نحمله في أعماقنا. فالشجرة لا تُزهر ولا تُعطي ثمارًا حلوة إلا إذا ارتوت من أرض نقية وسُقيت بماء صافٍ، وكذلك الإنسان لا يثمر خيرًا إلا إذا كان قلبه عامرًا بالقيم وروحه مشبعة بالنقاء.
الأصل الطيب هو النبع الأول الذي يشق مجراه في حياتنا. قد يكون تربية صالحة، أو قيمًا راسخة، أو نية نقية تُعلّمنا أن الخير لا يولد إلا من خير، وأن الصدق لا يخرج إلا من قلب صادق. حينها يصبح الفعل الحسن عفويًا لا يحتاج إلى تكلّف، بل يتفتح كما تتفتح الزهرة، فيسبق عطرها مظهرها.
أما إذا كان الأصل فاسدًا، فلن تُجدي الأقنعة ولا تنفع الزخارف؛ إذ سرعان ما ينكشف الإنسان بأفعاله. فالظاهر مرآة الباطن، والثمر شاهد لا يُكذّب جذوره.
ولأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فإن صلاحهم يعني صلاح الأمة بأسرها. فكل بيتٍ يغرس في أطفاله القيم الطيبة إنما يغرس غابة من الخير، وكل مدرسة تُعلّم الصدق والأمانة إنما تُنشئ جيلًا يثمر عطاءً ونورًا، ويشرق في المجتمع كما تشرق الشمس من أفق صافٍ.
فلنحرص أن تكون جذورنا صالحة، وأن نترك بعدنا أثرًا عطرًا يشبه رائحة الأرض بعد المطر. فإذا كان الأصل نقيًا، كان الفعل نقيًا، وكما لا تُشرق الشمس إلا من أفق صافٍ، لا يُثمر الغصن إلا من طيب الجذور.
الأصل الطيب هو ميراث الروح، وهو الأثر الذي لا يزول.