انجاز-في زمنٍ باتت فيه المساحات الإعلامية تُمنَح لمن يظهرون أكثر ممّن يقدّمون، تبقى ريما رحمة واحدة من الأسماء القليلة التي تذكّرنا بأنّ التقديم ليس موقعًا يُشغَل، بل مهنة تُتقَن… وأنّ الوقوف أمام الجمهور ليس استعراضًا، بل مسؤولية.
لم تُعرَف ريما رحمة عبر الشاشة فقط، بل أيضًا عبر الميكروفون؛ في الإذاعة التي كانت مساحة طبيعية تشبهها وتشبه طبقة صوتها القادرة على لمس المستمع بلا صخب. صوتها ليس مجرّد أداة لنقل الكلام، بل هوية كاملة: نبرة راقية، وضوحٌ غير متكلّف، وإحساسٌ يعرف كيف يبني الجملة ويمنحها وزنها. برامجها الإذاعية كانت تُسمَع لا لأنها “موجودة”، بل لأنها تقدّم درسًا صغيرًا في الاحتراف والإتقان.
وعلى الشاشة، خلقت ريما ملعبها بنفسها. لم تكن تكتفي بتقديم المناسبات… كانت تصنع مناسبات تُقدَّم عبرها. تقدّم الحدث بطريقة تمنحه حجمه الحقيقي، وترتّب الفوضى خلف الكواليس، وتُمسك بإيقاع المسرح كما لو كانت جزءًا من هندسته. لم تكن “واجهة”، بل “إطارًا” يرفع قيمة ما حوله.
لكن المفارقة المؤلمة أن المهرجانات اليوم اختارت الطريق الأسهل: الاعتماد على عارضات أزياء وملكات جمال في مواقع التقديم، وكأنّ التقديم مشية على المسرح أو ابتسامة أمام الكاميرا. يُستبدَل صوتٌ محترف وتجربة إذاعية وشاشة مدروسة، بوجه جميل لا علاقة له بالمهنة. وهكذا تتحوّل المناسبات تدريجيًا إلى عروض استعراض، وتغيب عنها الشخصيات التي تعرف كيف تصنع الحدث وتمنحه قيمته.
وهنا يأتي السؤال الحقيقي:
كيف تتخلّى مهرجانات تُفترض أن تكون واجهة للثقافة والفن والهيبة، عن أسماء تمتلك حرفية التقديم مثل ريما رحمة؟
المشكلة ليست في الوجوه الجديدة، بل في المعايير. حين يصبح الشكل أهمّ من الصوت، والمظهر أهمّ من الخبرة، نفقد آخر ما تبقّى من هيبة المناسبات. فالتقديم ليس زينة جانبية؛ هو الذي يضبط نبض الحدث، ويمنح اللحظة احترامها، ويهيّئ الأرض قبل أن يأتي التصفيق.
ريما رحمة ليست فقط مقدّمة تلفزيونية بارعة، ولا فقط صوتًا إذاعيًا يعرفه المستمعون؛ هي نموذج لِما يجب أن يكون عليه التقديم حين يُمارَس بوعي وموهبة.
هي قيمة مضافة… وغيابها عن هذه المنصّات هو ما يجعلنا نشعر أنّ المعايير انخفضت، لا الطموح ارتفع.
والمهرجانات التي تطمح لهيبة حقيقية تعرف تمامًا أن عودة مقدّمات محترفات من طراز ريما رحمة ليست خيارًا تجميليًا… بل ضرورة.
الإعلامية مايا إبراهيم













