المهندس يزيد القضاة يكتب
خلال السنوات الأخيرة ازداد التركيز على مفاهيم الابتكار والريادة في سياق التنمية الريفية، لتظهر هذه المصطلحات بقوة داخل الخطط والاستراتيجيات والبرامج المتعددة. ومع ذلك يبرز السؤال الأساسي: هل تجلّى هذا الحديث في تحسين ظروف المعيشة للفلاحين وللمجتمعات الريفية؟ وهل شعر سكان القرى بآثار ملموسة لذلك الابتكار المعلن؟
تدل المؤشرات على وجود فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة وما يُنفَّذ عملياً على الأرض. فالابتكار لا يقاس بمجرد تغيير مسميات البرامج أو عقد ورش عمل شكلية، بل بمدى قدرته على تقديم حلول عملية وملموسة تحدث تحسناً في حياة المواطنين. أما الريادة فتقاس باستمرارية المشروعات، وبخلق فرص عمل،وبتمكين الشباب من البقاء داخل مجتمعاتهم دون اضطرار للهجرة.
ومن الواضح أن بعض البرامج تعيد نفس المستفيدين بشكل متكرر، فيما تبقى العقول الشابة والمبادرات الواعدة خارج نطاق الدعم. هذا التكرار يكشف عن اختلال في عدالة توزيع الموارد ويبيّن أن مقاييس النجاح المعتمدة لا تعكس بالضرورة الواقع ولا تضمن وصول الدعم إلى من هم في حاجة فعلية إليه.
التنمية الريفية الحقيقية تقتضي فهماً متعمقاً للتحديات اليومية: صعوبات التسويق، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الوصول إلى التمويل، وغياب إرشاد عملي يتلاءم مع احتياجات المزارع. وبدون حلول عملية لتلك المشكلات، يظلالابتكار شعاراً نظرياً لا يتجاوز المستندات الرسمية.
كذلك لا يمكن للريادة أن تقوم على مبادرات فردية منعزلة؛ بل تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من الفكرة، مروراً بالدعم الفني والمالي، وصولاً إلى دخول السوق عبر آليات عادلة ومستقرة. وبدون هذا التكامل تصبح المشاريع عرضة للفشلوقصيرة الأمد.
المرحلة الراهنة تستلزم الانتقال من الخطاب النظري إلى العمل الميداني، ومن التخطيط المكتبي إلى إشراك أبناء الريف في صياغة الحلول وتنفيذها، فهم الأقدر على تشخيص التحديات ومعالجتها بفاعلية.
إن الابتكار الذي لا يستفيد منه الريف ليس ابتكاراً، والريادة التي لا تغير واقع الناس تبقى مجرد شعار أنيق بلا نتيجة. وإذا لم تُعاد مراجعة آليات العمل،فستظل التنمية الريفية وعداً مؤجلاً أكثر منها واقعاً محسوساً.












