الكاتبة رنا غريزات
من قلب سوق كفرنجة في محافظة عجلون، حيث تختلط أصوات الباعة بأصوات السيارات، كانت هناك بقالة صغيرة لا تُقاس مساحتها بالأمتار، بل بما اختزنته من ودّ وصدق وذكريات، بقالة التاجر جواد المسيحي، الرجل الذي لم يكن مجرد بائع، بل كان جزءًا حيًّا من روح المكان….
كان جواد صاحب وجه بشوش لا تفارقه الابتسامة، كأنها بطاقة تعريفية له، ومسبحته التي كانت لا تفارق يده، تدور بين أنامله بهدوء يبعث الطمأنينة في النفوس، لم يكن يسأل كثيرًا، ولم يكن يرفع صوته، لكنه كان حاضرًا دائمًا بإنسانيته، بحديثه اللطيف، وبنظرته التي تشع احترامًا لكل من يدخل دكانه.
نذهب لنشتري حاجيات بسيطة، فنخرج بشيء أثمن من الشراء نفسه؛ نخرج بإحساس الألفة، وكأننا زرنا قريبًا أو صديقًا قديمًا، كان يعتبر جميع سكان منطقته أقربائه وجيرانه، ويحفظ وجوههم، ويُحسن الظن بالجميع، لم تكن بقالته مجرد مكان للبيع، بل مساحة صغيرة للتلاقي، وللذكر الطيب، وللأمان الاجتماعي الذي افتقدناه كثيرًا في زمن السرعة.
ولعل أجمل ما في الذكرى أنني وأنا طفلة، لم أكن أعرف أنه مسيحي، ولم يخطر ببالي يومًا أن أسأل عن دينه، لأن ما كان يصلنا منه لم يكن دينًا يُعرَّف، بل خُلُقًا يُعاش، لم أعرف ذلك إلا عندما كبرت، فابتسمت للفكرة، وأدركت أن الطيبة الصافية لا تحمل بطاقة هوية، وأن الإنسان يُعرَف بأثره لا بانتمائه.
جواد المسيحي لم يكن يُعرّف نفسه بعقيدته، بل بأخلاقه، لم يحتاج إلى شعارات ولا كلمات كبيرة، كانت معاملته وحدها كافية لتقول كل شيء….. في سوق يعجّ بالحركة، ظل ثابتًا على مبدأه: أن التجارة خُلُق قبل أن تكون ربحًا، وأن الكلمة الطيبة رأس مال لا ينفد.
اليوم، قد تتغير ملامح السوق، وقد تُغلق البقالات الصغيرة، لكن بعض الأشخاص لا يُغلق حضورهم في الذاكرة، جواد المسيحي واحد من أولئك الذين يمرّون في حياتنا بهدوء، ويتركون أثرًا عميقًا لا يزول.
لن أنساه…
لن أنسى ابتسامته، ولا مسبحته، ولا ذلك الشعور البسيط الجميل حين كنا نذهب لنشتري منه، فنعود ونحن أكثر طمأنينة….
رحم الله من زرع الخير في القلوب، وبقي حيًّا في الذاكرة.


![[الشيخ طراد الفايز فكاك النشب وميزان الحكمة]](https://www.enjaznews.com/wp-content/uploads/2025/12/31/IMG_5352.jpeg)









