وكالة إنجاز الإخبارية
وكالة إنجاز الإخباريةعين الحقيقة

ثانوية بوظيفتين

التحرير
١٢ أيلول ٢٠٢٦ 8 دقائق قراءة
ثانوية بوظيفتين

الأستاذ الدكتور نضال كمال الشريفين

لأجيال من الأردنيين، لم تكن الثانوية العامة مجرد امتحان في نهاية المدرسة؛ كانت شهادةً على إتمام مرحلة تعليمية، وبوابةً إلى الجامعة، وأداةً للمفاضلة بين الطلبة، ومفتاحًا قد يفتح تخصصًا ويغلق آخر، ولهذا اكتسب التوجيهي مكانته الاستثنائية في الوعي الأردني، وحملت أيامه من القلق والانتظار ما جعل امتحانًا تربويًا يتحول، في نظر كثير من الأسر، إلى محطة يتقرر عندها قدر كبير من مستقبل أبنائها، واليوم، ونحن أمام تطوير يعيد النظر في هذه المعادلة، فإن جوهر التحول لا يكمن في توزيع الامتحانات على عامين، ولا في عدد المواد أو أوزانها، بقدر ما يكمن في إعادة توزيع الوظائف نفسها: شهادة ثانوية عامة ترتبط بالتعليم المدرسي وإنجاز الطالب فيه، ومسار آخر للقبول والمفاضلة الجامعية. وبعبارة أكثر مباشرة، نحن لا نغيّر شكل امتحان فحسب؛ بل نقترب من ثانوية بوظيفتين، لكل منهما غايتها وأدواتها والقرارات التي تُبنى عليها، وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش، بعيدًا عن ثنائية التأييد والرفض: هل يجعل الفصل بين وظيفة الشهادة المدرسية ووظيفة القبول الجامعي القياس أكثر عدالة، والقرار أكثر دقة، ومستقبل الطالب أقل ارتهانًا لأداة واحدة؟ وما الضمانات التي تحول دون أن نعالج مشكلة لنصنع في مكانها مشكلة أخرى؟
ومن الإنصاف أن نعترف بأن النظام السابق خدم الأردن عقودًا طويلة، وأن له قيمة وطنية لا يصح تبديدها تحت ضغط النقد أو الرغبة في التغيير، فأقوى ما فيه أنه وضع الطالب في إربد والعقبة والمفرق وعمّان أمام معيار وطني مشترك، وحدَّ نسبيًا من أثر تفاوت المدارس وطرائق منح الدرجات، وهذه ليست ميزة صغيرة؛ فالعدالة لا تتحقق فقط بأن يخضع الجميع للامتحان، بل بأن تحمل الدرجة معنى قابلًا للمقارنة أينما كان الطالب وأيًا كانت مدرسته، وفي المقابل، ليس من الحكمة أن نمنح النظام المطوَّر شهادة نجاح قبل أن نرى نتائجه؛ فالموقف العلمي لا يخاصم القديم لأنه قديم، ولا يصفق للجديد لأنه جديد، وإنما يسأل: أيُّ بناءٍ يحقق وظيفة الشهادة ووظيفة القبول بعدالة أكبر ودليل أقوى؟
ولكن الامتحان، مع مرور الوقت، حمل على كتفيه أكثر مما يحتمل اختبار واحد: يقيس التحصيل، ويمنح شهادة إنهاء المرحلة الثانوية، ويرتب الطلبة، ويفتح أبواب الجامعات أو يغلقها، وقد يحسم التخصص الذي سيرافق الطالب سنوات طويلة، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تستطيع درجة واحدة أن تؤدي كل هذه الوظائف بالعدالة والدقة نفسيهما؟
فالطالب الذي يحصل على 98% ليس بالضرورة أكثر استعدادًا للنجاح في الطب من طالب حصل على 97.5%. نصف درجة قد تنقل طالبًا من تخصص إلى آخر، وربما تغيّر مسار حياته، لكنها من منظور القياس ليست بالضرورة فرقًا حقيقيًا مماثلًا في القدرة أو الاستعداد؛ لأن كل اختبار يتضمن قدرًا من خطأ القياس، وعندما تصبح أعشار الدرجة فاصلة بين حلم وآخر، ومقعد وآخر، فإننا لا نكون أمام مسألة حسابية فحسب، بل أمام مسألة عدالة تستحق أن تُفحص بصرامة، ومن هنا فإن إعادة توزيع وظائف الثانوية العامة تحمل فرصة حقيقية للإصلاح، فما يصلح للحكم على إتقان الطالب لما تعلمه في المدرسة ليس بالضرورة الأداة الأفضل للمفاضلة الدقيقة بين المتقدمين للطب والهندسة والقانون وغيرها، والفصل بصورة أوضح بين تقويم التعلم المدرسي والانتقاء للتعليم الجامعي له أساس علمي يمكن الدفاع عنه؛ لكن نجاحه مرهون بألا ننقل المشكلة من باب إلى باب، أو نستبدل ضغط امتحان مركزي بمشكلات أكثر تعقيدًا.
وأبرز هذه المشكلات تضخم الدرجات المدرسية وضعف قابليتها للمقارنة فالــ95% في مدرسة ليست بالضرورة مساوية سيكومتريًا للـ95% في مدرسة أخرى إذا اختلفت صعوبة الاختبارات ومعايير التصحيح وسياسات منح الدرجات، وإذا أصبح للمدرسة وزن أكبر في تقرير مستقبل الطالب، فلا بد أن يقابله نظام وطني قوي يضمن جودة التقويم من خلال معايير مشتركة، وأدوات مرجعية، وتحليل دوري للدرجات، وإجراءات للضبط والمعايرة، وليس في ذلك انتقاص من المدرسة أو المعلم، بل حماية لهما وللطالب معًا؛ لأن العدالة تقتضي أن تحمل الدرجة معنى متقاربًا قدر الإمكان أينما مُنحت.
والتجارب الدولية تقول بوضوح إن الطريق ليس واحدًا. ففي فرنسا تجمع البكالوريا العامة والتكنولوجية بين التقويم المستمر والامتحانات النهائية، وفي بريطانيا تقوم A Levels على مواد تخصصية بينما تختلف متطلبات القبول باختلاف الجامعة والبرنامج، أما تركيا فلديها منظومة وطنية مركزية للقبول في التعليم العالي تديرها مؤسسة متخصصة في القياس والاختيار والتنسيب، وليس المطلوب أن نستورد نموذجًا جاهزًا ونزرعه في البيئة الأردنية؛ فلكل مجتمع نظامه وحاجاته، لكن الدرس جدير بالتأمل: الدول تميّز بين وظائف القياس، وتبني لكل وظيفة الأداة التي تناسبها، من دون أن تتنازل عن جودة المعيار وعدالة القرار،
وثمة بعد لا يقل أهمية، وربما لم يأخذ حقه في النقاش العام، هو قيمة شهادة الثانوية الأردنية خارج حدود الوطن، فأبناؤنا لا يدرسون جميعًا في الجامعات الأردنية؛ منهم من يتجه إلى مصر أو تركيا أو بريطانيا أو غيرها. ولذلك لا يكفي أن يعمل النظام بكفاءة داخل الأردن، بل ينبغي أن تكون الشهادة واضحة المعنى وقابلة للفهم والمعادلة لدى أنظمة التعليم العالي التي يقصدها طلبتنا.
وقد أصبحت هذه المسألة عملية وليست افتراضية؛ إذ أعلنت الملحقية الثقافية الأردنية في القاهرة صدور قرار عن المجلس الأعلى للجامعات في مصر يتضمن امتحانًا تكميليًا خلال السنة الجامعية الأولى لطالب الثانوية العامة وفق الحقل الذي تخصص فيه، والأدق ألا يُفهم ذلك بوصفه عدم اعتراف بالشهادة الأردنية، وإنما متطلبًا إضافيًا مرتبطًا ببنية الشهادة ومتطلبات الدراسة الجامعية، لكن الحالة تضع أمامنا سؤالًا لا يجوز تأجيله: عندما نطوّر شهادة وطنية، هل ندرس منذ البداية كيف ستُقرأ خارج الأردن؟ وهل نتواصل مبكرًا مع الدول التي تستقبل أبناءنا؟ فالاعتراف الخارجي ليس ورقة إدارية نبحث عنها بعد تخرج أول دفعة، بل جزء من جودة تصميم النظام ووضوح هويته.
وإذا اتجه الأردن مستقبلًا إلى تعزيز دور اختبار مستقل للقبول أو المفاضلة الجامعية، فإن أخطر ما يمكن فعله هو أن نصنع ثانوية عامة ثانية باسم مختلف، فلا معنى لأن نخفف العبء عن امتحان ثم نعيد إنتاجه في امتحان آخر، اختبار القبول، إن تقرر اعتماده، ينبغي أن يبدأ من سؤال واضح: ما الذي نريد أن نعرفه عن الطالب قبل دخوله الجامعة؟ هل نريد قياس استعداده العام للتعلم الجامعي، أم قدرته على الاستدلال والتحليل، أم استعدادًا خاصًا لتخصص معين؟ فالأداة الجيدة لا تبدأ بكتابة الأسئلة، بل بتحديد القرار الذي ستُستخدم نتائجها من أجله.
وإذا كان الاختبار سيقرر من يدخل الطب أو الهندسة أو غيرهما، فيجب أن نستطيع الدفاع علميًا عن هذا القرار، وهذا يتطلب بنوك أسئلة محكمة، وصورًا اختبارية متكافئة، وربطًا ومعايرة بين الدورات، ودراسات مستمرة للصدق والثبات والعدالة والتحيز، وقد تبدو هذه مصطلحات فنية بعيدة عن هموم الأسرة، لكنها في جوهرها تعني أمرًا شديد البساطة والأهمية: ألا يضيع حلم طالب لأن صورة امتحانية كانت أصعب من أخرى، أو لأن سؤالًا تحيز لفئة دون أخرى، أو لأننا أعطينا الدرجة معنى أكبر مما تسمح به علميًا.
ومن الإنصاف كذلك القول إن الأردن لم يبدأ من الصفر، فقد توسعت الأدوار المؤسسية المتعلقة ببنوك الأسئلة والتقويم، وأصبح للمركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم دور في بناء بنوك الأسئلة والاختبارات الوطنية وتطوير الفقرات وضبط جودتها وتحليلها سيكومتريًا، وهذه خطوات مهمة ينبغي دعمها والبناء عليها، والإشارة إليها ليست مجاملة لوزارة أو مؤسسة، كما أن نقد جوانب النظام ليس انتقاصًا من جهودها؛ فالتقويم العلمي المنصف يعترف بما تحقق، ويكشف في الوقت نفسه ما يحتاج إلى استكمال وتحسين.
لكن ذلك يقود إلى سؤال أوسع من الثانوية العامة نفسها: هل آن الأوان لأن تكون للأردن مرجعية وطنية شديدة التخصص في القياس والتقويم والاختبارات عالية المخاطر؟ ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة وإضافة مبنى ولافتة إلى الجهاز العام؛ فقد يكون الحل في تطوير المؤسسات القائمة أو إنشاء ذراع وطني متخصص يتمتع بالاستقلال الفني، وتتراكم فيه الخبرة السيكومترية، ويتولى المعايير العلمية لبنوك الأسئلة، والمعايرة والربط والمعادلة، واختبارات القبول والاختبارات المهنية والتقويمات الوطنية الكبر، فالدولة التي تبني قرارات مصيرية على الدرجات تحتاج إلى جهة وطنية تحرس معنى هذه الدرجات وعدالتها.
ومن المبكر علميًا أن نصدر حكمًا نهائيًا على تطوير الثانوية العامة قبل اكتمال تطبيقه وظهور بيانات حقيقية عن نتائجه. فالأنظمة التعليمية لا تُقوَّم بحسن النوايا ولا بجاذبية الشعارات، وإنما بما تحققه على أرض الواقع، لذلك لا ينبغي أن ندين النظام السابق، كما لا ينبغي أن نمنح النظام المطوَّر شهادة نجاح قبل أن يُختبر، السابق امتلك قوة المعيار الوطني المشترك، لكنه حمّل امتحانًا واحدًا وظائف أكثر مما يحتمل؛ والتطوير الجاري يتيح فرصة لإعادة توزيع هذه الوظائف بصورة أكثر عقلانية، لكنه لن يكون أكثر عدالة إذا انتهينا إلى درجات مدرسية غير قابلة للمقارنة، أو شهادة يلتبس معناها خارج الأردن، أو اختبار قبول لا يستند إلى أسس علمية قوية.
ولذلك، عندما نقوّم التجربة بعد سنوات، ينبغي ألا نسأل فقط: هل أصبح الامتحان أسهل؟ وهل انخفض قلق الأسر؟ وهل ارتفعت نسب النجاح؟ هذه أمور تهم الناس، لكنها ليست المحك النهائي، والسؤال الأهم هو: هل أصبح مستقبل الطالب أقل ارتهانًا لأعشار الدرجة؟ هل أصبحت الفرص أكثر عدالة؟ هل أصبحت الدرجة أكثر صدقًا وقابلية للتفسير والمقارنة؟ هل أصبح اختيار الطالب لتخصصه أكثر ارتباطًا بقدرته واستعداده؟ وهل بقيت لشهادتنا الوطنية قيمة واضحة ومحترمة داخل الأردن وخارجه؟
لقد خدمت الثانوية العامة الأردن طويلًا، وحافظت على معيار وطني مشترك لا ينبغي التفريط فيه، لكن الوفاء لما نجح في الماضي لا يعني أن نبقى أسرى له، كما أن الرغبة في التطوير لا تبرر أن نهدم ما أثبت قيمته، وما بين المحافظة والتغيير توجد مساحة واسعة اسمها الإصلاح المبني على الدليل، فالطالب في النهاية ليس رقم جلوس، وليس معدلًا من منزلتين عشريتين، وليس ورقة إجابة تختصر مستقبله كله، إنه ابن أسرة تعلّق عليه الأمل، وشاب يقف في أول الطريق، ومن حقه أن تكون الأداة التي نقيسه بها عادلة، وأن تكون الدرجة التي نحكم بها على مستقبله جديرة بهذا الحكم، وهنا تحديدًا تلتقي مشاعر الناس مع العلم: فالرحمة بأبنائنا لا تكون بإلغاء المعايير، والصرامة لا تكون بتحميل امتحان واحد ما لا يحتمل؛ وإنما ببناء معيار عادل يطمئن إليه المجتمع ويستطيع المتخصص أن يدافع عنه.
ولهذا فإن الأردن لا يحتاج إلى امتحان أصعب ولا إلى امتحان أسهل، ولا إلى نظام يريح الناس اليوم ثم يورثهم مشكلة جديدة غدًا؛ بل يحتاج إلى قياس أصدق، ودرجة أعدل، وقرار يمكن الدفاع عنه علميًا وأخلاقيًا، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الامتحان، بل بتحديد ما الذي نريد أن نقيسه، ولماذا نقيسه، وما القرار الذي يحق لنا أن نبنيه على الدرجة، وحين يصبح مستقبل أبنائنا قائمًا على الكفاءة والاستعداد وتكافؤ الفرص، لا على رهبة امتحان أو أعشار درجة قد لا تحتمل كل هذا المعنى، نكون قد تجاوزنا تطوير الثانوية العامة إلى ما هو أبعد وأهم: بناء منظومة تعليمية أكثر عدالة، وأكثر ثقة، وأكثر وفاءً بحق أبنائنا في مستقبل يستحقونه.

مشاركة: